07‏/09‏/2008

المنصف الوهايبي:الملاحم الصغيرة والأبطال والقصائد الممكنة


إذا كان من السّائغ المقبول القول إنّ النّسيب أو شعر الحبّ موضوع من موضوعات الحماسة أو هو غرض من أغراضها، فليس أيسر من القول إنّ بقيّة الأغراض من مدح وهجاء وفخر ورثاء، وهي ما هي، في شعر العرب، أحقّ بهذا الاسم وأجدر.

أمّا المديح فهو خطاب "تقريظيّ" يأخذ بوظيفة تنبيهيّة قد لا تخفى. وهذه الوظيفة تتمرّس، في تقدير المعاصرين، بالشّفهيّ أكثر منها بالكتابيّ، بحكم أنّها وظيفة اتّصال أو تماسّ أساسا. على أنّ ما يدفعنا إلى أخذها بالاعتبار، وإن على حذر وتحرّز، أمور من أظهرها أنّ هذه الوظيفة تكاد تكون الأشدّ علوقا بالفرد، في حين التّخاطب أو التّواصل؛ لأنّها هي التي تثبّت الاتّصال، وبخاصّة في غرض مثل المدح يستغرق أكثر شعر العرب. فالمدحيّة قصيدة "حواريّة" تختلف اختلافا بيّنا عن غرض مثل الهجاء؛ لأنّها تكتب أساسا لتلقى أو تنشد في محفل، أو لأنّها تنضوي إلى "قصائد الحفل" بعبارة ابن رشيق. والحفل مثله مثل الإيقاع طقس حماسيّ جماعيّ حميم. ولعلّ ما يجمعه إلى الشّعر إنّما هو الطّابع الزّمنيّ الخاصّ الذي يميّزهما، حيث ينطوي المكان وينتشر الزّمان وكأنّه الأبد. وقصيدة الحفل إنّما تبني لنفسها حضورا كلّيا، فيتعارض زمنها الخاصّ والزّمن "الموضوعيّ" الذي يمكن ضبطه وقياسه. وقد أسلفنا أنّ العرب دأبوا على اعتبار الشّعر، وهو مديح في الأغلب الأعمّ منه، ديوانهم وسجلّ مآثرهم وبائد عوالمهم، و"نصّهم" الذي له من قوّة الأمر المقضيّ ـ وقد تنزّل منهم في الجاهليّة منزلة الدّين ـ ما جعله على تعاقب العصور يتخطّى الانقلابات الحاصلة في هيئة الشّعر زمانا ومكانا؛ ليبني هذا الحضور الزّمنيّ الكلّيّ، وهو في تقديرنا ميزة أيّ طقس حماسيّ سواء كان دينيّا أو شعريّا، فيثبّت زائلا ويحوّل عابرا أو غابرا إلى "حال" أو "ديمومة". وكلّما كان هناك "حفل" كان تواصل ومشاركة وكان "لعب" وكان "رمز". بل كانت حماسة.

وعلى أساس من هذا الاستدراك على الأصول، نسأل إن كان الشّعر الحماسيّ شعرا ملحميّا؟

من المفيد، للإجابة عن سؤال كهذا أن نعود بالملحمة ودلالتها إلى الأصل الأتيمولوجيّ لهذه المفردة في اللّغة الإغريقيّة. والمسوغ لذلك أنّ أرسطو يُعدّ من الأوائل الذين اعتنوا بالنّظر في هذا الجنس الأدبيّ (تجدر الإشارة إلى أنّنا أفدنا كثيرا، في هذه الورقة، من مادّة ملحمة" ضمن معجم Etienne Souriau, Vocabulaire d’esthétique, Ed PUF, Paris1990)

تفيد الملحمة أتيمولوجيّا فعل تأليف قصّة épos. ويستخدم أرسطو دونما تمييز épos وépopïa (ما يمكن تعريبه بالقصيدة القصّة). ومنذ تلك الحقبة كان مصطلح الملحمة épopée غير القصيدة الملحميّة نفسها التي تشكّل جنسا أدبيّا مخصوصا. غير أنّ المقايسات الاستعاريّة تذهب أحيانا إلى إضفاء خصائص العمل الملحميّ على نشاط غير أدبيّ في الأصل، أي على نشاط ملحميّ.

والواقع أنّ الجنس الأدبيّ قد حدّد منذ القدم بالرّجوع إلى القصيدتيْن الطّويلتين لهوميروس: الإلياذة والأوديسة. وقد مثّل هذان النّصّان نموذجا للملاحم الأخرى القديمة حتّى العصر الوسيط، وعصر النّهضة. غير أنّ هناك نصوصا ظهرت في مختلف هذه العصور ظلّت ملتبسة إذ لم يهتد التّصنيف إلى حسم أمرها أهي من جنس الملحمة أم هي غير ذلك. ففي العصر الحديث يتحدّث فيكتور هيغو مثلا عن "ملاحم صغيرة" petites épopées في ما يتعلّق بما سمّي لاحقا La légende des siècles. ثمّ إنّ الأمر توسّع بعد الأرسطيّة ليضفي صفة الملحمة على آداب غير إغريقيّة وغير أوروبيّة نظير ما نلفيه بشأن "الشّاهنامه" (أي "كتاب الملوك") للشّاعر الفارسيّ الفردوسيّ (القرن11م.)، أو القصائد الكبرى في الهند القديمة "الماهابـهاراتا" حيث دام تأليفها قرونا (من القرن الرّابع ق.م. إلى القرن الرّابع م.). ويمكن أيضا ذكر "الرّمايانا" التي ربّما يعود تأليفها إلى ما بين القرنيْن الثّاني ق.م. والثّاني م.

إنّ حدَّ الملحمة على أنّها قصيدة هو ما يجعلها تختلف عن الأجناس النّثريّة التي يمكن أن يكون لها نفَس ملحميّ دون أن تكون مع ذلك ملاحم. وبالفعل، فإنّ هناك ضربا من التّنظير يريد أن يذهب بالملحمة إلى حدّ النّثر. ويمكن أن نشير في هذا السّياق إلى لوكاتش في" نظريّة الرّواية" "إذْ يقدّر أنّ هناك شكلا جديدا للملحمة يعلن عن نفسه في بعض أعمال دوستويفسكي. غير أنّه بغضّ النّظر عن طرافة هذا التّأويل، فإنّه قد لا يجوز التّغاضي عن القيمة الجماليّة للملحمة المرتبطة بشكلها الشّعريّ؛ وهذا الشّكل ليس شكليّا البتّة، فالملحمة ليست مجرّد حكاية أو قصّة؛ وإنّما هي تحقّق خصوصيّتها بواسطة سحر الإيقاع وبواسطة الالتجاء إلى شكل مُطقَّس وشبه موسيقيّ حيث يتمّ تنزيل الكلمة منزلة أرقى من اللّغة العادية. وباختصار فإنّ الملحمة قصّة شعريّة مقدّسة، صُنعتْ لها قدسيّة خاصّة بها.

لكن كونها قصّةً، فإنّ هذا ما يميّزها عن القصائد اللاّسرديّة. وكما يبيّن أرسطو في "فنّ الشّعر" فإنّ الملحمة عمل محكيّ أو مسرود، وهو في تقابل مع التّراجيديا من حيث هي عمل ممثّل؛ فالتّراجيديا تتدبّر أمرها بالتّعويل على ممكنات الإخراج وحوامل العرض في حين يتعيّن على الملحمة أن تثير المتقبّل بواسطة الألفاظ فقط. وإلى ذلك فإنّ فعل التّراجيديا محدود بسبب شروط التّمثيل المسرحيّ؛ مثلا من جهة ديمومتها، في حين لا تخضع الملحمة لمثل هذه القيود ويمكن أن تغطّي مساحة زمنيّة أكبر.

وفضلا عن ذلك فإنّه يمكن أن نشير إلى الإسهاب من حيث هو خاصّية من خصائص الملحمة. وقد أقرّ أرسطو بمزيّة الإسهاب في الملحمة إذ يسمح بالتّعبير عن ممارسة هي واحدة ومركّبة في آن. وبعبارة أخرى فإنّ التّجربة التي تعبّر عنها الملحمة تجربة واحدة لكنّها متعدّدة الحلقات على نحو يتمّ فيه تطويرها بكفاية فائقة تحفظ التّوازن داخل تركيب مجموع الملحمة.

وبما أنّ هذا المقال لا يستحضر خصائص الملحمة بانتظام منهجيّ، نكتفي ببعض الملاحظات التي يمكن أن تكون مادّة أولية، نشير، حينئذ، إلى أنّه إذا كان من شأن الإسهاب أن يسمح للملحمة بأن تغطّي زمنيّة مطوّلة وبأن تشتمل على شخصيّات عديدة، فإنّها تكتفي بوضع عدد محدود من الشّخصيّات في الصّدارة على أساس دورها الأساسيّ والمفصليّ في مجريات القصّة. وهي تحرص على إبراز فرديّة كلّ شخصيّة من هذه الشّخصيّات وتفرّدها إبرازا قويّا. ولكنّها بالإضافة إلى تدبّر نوعيّة العلاقات والرّوابط بين هذه الشّخصيّات فإنّها تتولّى توجيه قوى ضخمة وجيشا عرمرما وأهوالا طبيعيّة عظيمة وقدرات خارقة (فوق-طبيعيّة)؛ تتولّى توجيهها بحسب علاقاتها بأبطال الملحمة؛ وهم البشر لا محالة: فعالَم الأثر هو دوما نفسه حتّى وإن داخلتْه الآلهة، عالَم في صميمه إنسانيّ تماما. وكما يلاحظ هيغل فإنّه عالَم حيث أفراد مستقلّون يشكّلون واحدا بفضل إرادتهم.

ولعلّ هذا ما يدعو إلى التّساؤل عن علاقة الملحمة بالفعل القويّ أو بممارسة القوّة؛أو بالحماسة. فهؤلاء الرّجال الملحميّون هم قبل كلّ شيء رجال يتحرّكون ويفعلون. لكنّ أفعالهم هي في الغالب مغامرات، بل هي معارك أو قل هي تتنزّل دائما في جنس المخاطرة؛ وهذا ما يميّز السّلوك الملحميّ، سلوك البطل حيث يتعلّق الأمر دائما بالمخاطرة الأشدّ، أي المجازفة بما هو أساسيّ لدى الإنسان: حياته. وإذا ما حدث وانزلقت إلى فضاء الملحمة –وهذا يحدث أحيانا- مشاعرُ رقيقة فذلك ذو وظيفة جماليّة تتمثّل في إبراز التّعارضات الفاعلة والمؤثّرة في سير الأحداث والتي تؤلّف مجموع الملحمة. ذلك أنّ الملحمة لطبيعتها الدّيناميكيّة تحتاج إلى تعارضات أو تقابلات (أي قوى متضادّة) وليس إلى قوالب تشلّ الحركة.

نستطيع إذن أن نجمل تعريف الملحمة على نحو مبسّط هو بالتّأكيد لا يفيها حقّ المفهوم؛ فنقول إنّ الملحمة سرد شعريّ مسهب يتعلّق بممارسة هائلة للقوّة تكون في نفس الوقت واحدة ومتنوّعة، كما تكون مترامية إلى أفضية وأحداث متفرّقة، لكنّها تكون في نفس الوقت متمحورة حول عدد محدود من الأبطال. وهذا التّعريف لا يعفي طبعا من تطارح كثير من الإشكالات التي ما زالت بعدُ تعلق بكلّ تناول لجنس الملحمة. من ذلك، مثلا، هل تقتضي الملحمة بالضّرورة استحضارا للعجيب؟

و ما يدفع إلى مثل هذا السّؤال، هو أنّ معظم الملاحم تستدعي إلى دائرة أحداثها آلهة، وشياطين، وملائكة، وقوى غريبة غامضة.. فيكون السّؤال: هل يمثّل حضورها شرطا جماليّا للملحمة؟

لقد أثارت هذه المسألة بعض الخلافات بين بعض الدّارسين للملحمة، ويمكن أن نكتفي في هذه المناسبة بالإشارة إلى ما يقوله هيغل من أنّ إدماج الآلهة في الملحمة من شأنه أن يوفّر حضورا عينيّاوذاتيّا لقوى هي في الأصل قوى جوهريّة وكلّية، أي موضوعيّة. ويكون ربطها شعريّا بالملحمة من قبيل ما ينحت هويّة موحّدة للآلهة والبشر حيث يتمّ التّأليف في نفس الوقت بين القوّة الكونيّة (الوظيفة الرّمزيّة للآلهة والخوارق الطّبيعيّة) وما يجري في الحياة من طباع (الوظيفة الرّمزيّة للبشر). وعليه تكون الوظيفة الجماليّة للعجيب في الملحمة هي نفسها: أن توفّر للممارسة البشريّة أصداء هائلة تتجاوب في أبعد ما يكون من أفضية العالَم، فيتمّ إضفاء طابع إنسانيّ على هذا العالَم.

وفي الجملة، فإنّه يمكن القول في ما يخصّ شروط الملحمة أنّ هذه الأخيرة ظهرت منشدّة إلى مقتضيات يبدو أنّها تمثّل هي نفسها جزءا من تعريفها ومن طبيعتها. لكن ذلك لا يعفي من التّساؤل عمّا إذا لم تكن الملحمة شكلا مرتبطا بحضارات دون أخرى، أو بمجتمعات لم تعرف فكرة "الدّولة" بعد (وهذا ما يطرحه هيغل)، أو بيقظة الحركات القوميّة.

فلعلّ في هذا ما يسوّغ ترجمة الشعر الحماسي بالملحمي، على ما في هذه التّرجمة من قلق العبارة، إلاّ إذا وقفنا بكلمة "ملحمة" على معناها المبذول أي الموقعة العظيمة أو الاقتتال العنيف أو الأعمال البطوليّة التي تثير الإعجاب والدهشة. والملحمة أجلّ شأنا من ذلك. ولا نملك، في هذا السياق،إلاّ أن نشاطر القائلين بأنّ العرب لم يعرفوا الملحمة إلاّ في الأزمنة الحديثة: "الإلياذة الإسلاميّة" لأحمد محرم، وهي قصيدة طويلة تروي سيرة النّبي محمّد، و"على بساط الريح" لفوزي المعلوف، و"عيد الغدير" لبولس سلامة، وأساسها واقعة الغدير الشيعيّة.

أمردّ ذلك إلى قاعدة القافية الواحدة التي حالت دون إنشاء القصائد الطّوال كما جاء في دائرة المعارف الإسلاميّة، برغم أنّ الرّجز كان ـ بحكم تنوّع قوافيه ـ يتيح نوعا من النظم الملحمي؟ أم إلى جهل العرب بالملاحم القديمة مثل الإلياذة والأوديسة، وصعوبة ترجمتها؟ هذا بالرّغم من أنّ ملحمة مثل "الشاهنامه" للفردوسي، كانت متيسّرة لهم سواء بالعربيّة أو الفارسيّة. ولكنّهم لم يلتفتوا إليها.

فهل يرجع الأمر إذن إلى "تقليد قوميّ" ترسّخ في هؤلاء العرب منذ الجاهليّة، وإلى إحساس بعظمة شعرهم، قد يكون صرفهم عن إنشاء الملحمة، رغم امتلاكهم لعناصرها اللازمة، على نحو ما نلمس في قصائد غير قليلة لأبي تمّام والمتنبّي وأبي فراس وابن هانئ، وإن كان من التمحّل عليها أن نعدّها ملاحم حقيقيّة؟

ومع ذلك فإنّه من مفارقات الأدب أو التّاريخ، أن يعرف أدبنا "الشّفوي" أشكالا ملحميّة مثل:"سيرة عنتر"[عنترة] التي يجدها البعض شبيهة، على نحو مثير، بـ"أغنية رولاند"Chanson de Roland،من حيث موضوع الفروسيّة والإحساس بعظمة أرض الأجداد، وهي عناصر أساسيّة في الملاحم المعروفة، أو سيرة بني هلال أو سيرة سيف بن ذي يزن.

المنصف الوهايبي:الحماسي/الملحمي في الشعر العربي


لعلّ ما يقع في الظنّ للوهلة الأولى، من موضوع كهذا "الحماسي/الملحمي"، أنّه موضوع قديم، وأن لا حاجة للعودة إليه.غير أنّ ما نلاحظه من حفاوة بشعر الحماسـة في مواقع مـن الأنترنت وفي بـعض الفضائيّات (قناة "الجزيرة" مثلا التي صارت تخصّص لهذا النّوع من الشعر حيّزا لا يستهان به) وفي مناهـج التّعليم الرّسميّة في فلسطين وسوريا وليبيا والعربيّة السعوديّة... وآخرها تونس حيث صار المنهج (السّابعة آداب) يتّسع، منذ مفتـتح هذا العـام الدّراسي، لشعر الحماسة عند أبي تمّـام والمتـنبّي وابن هـانئ الأندلسي، يسوّغ العودة إلى هذا الموضـوع والعودة "عليه" في ذات الآن. ذلك أنّ موضوعا كهذا محفوف بمحاذير شتّى، لعلّ من أشدّها خطورة، سهولة الانزلاق إلى "الإيديولوجيا الدينيّة" وحصر الحماسة في مجرّد صراع بين "الإيمان" و"الشرك" أو بين دار الإسلام ودار الحرب، فيما الحماسة في تقديرنا أعمق من ذلك بكثير.
المصادرة التي أستأنس بها في هذه المقاربة أنّ "الحماسة" مصطلح حياتي عند العرب، بالغ الدلالة قد يسوق إلى القول بوجود صلة ما بين الأغراض الشّعريّة المتعارفة من مدح وهجاء وفخر وغزل أو نسيب ورثاء والمعتقدات والطقوس الدينية في الجاهلية، وما تواصل منها في الإسلام. وهذا يقتضي في مستوى أوّل ضبطا دقيقا لمصطلح "حماسة" ومفهومها، من جهة، فمحاولة في إعادة تصنيف الأغراض الشّعريّة ،من أخرى (وقد سبق أن عالجنا هذا العنصر الثاني في مقال سابق في "الأوان").

وينبغي أن نقرّ، ونحن نمهّد السّبيل إلى موضوعنا، أنّ ضبط حقيقة الكلمة أو ماهيتــها أو غير هاتين المقولتين من مقولات تنتسب إلى نفس العائلة المفهوميّة الكبرى نظير المفهوم والحدّ والجوهر والهويّة... وما إلى ذلك، عمل لا يخلو من صعوبة، لسببين على الأقلّّ:

أوّلهما أنّ المصطلح مادّة لغوية بالأساس. وليس بالميسور الإلمام بأطرافها والوقوف على نموّها وتطّورها في معاجم مثل معاجمنا تستدعي الدّاني والقاصي، وتجمع الشّاذة والفاذّة؛ فإذا الكلمة تقفز من عصر إلى عصر، ومن معنى إلى معنى، عبر فجوات فاغرة، ومتاهات لغويّة متشعّبة الأصول والفروع، قد لا يقدر الباحث على تخطيّ عقباتها ورياضة صعابها.

إنّ عملنا في هذه العتبة، يصطدم بمادّة لغويّة هي أشبه بمتحجّر ثقافيّ سراديبه حافلة ومساربه ممتلئة بمعان ودلالات قد يكون بينها قرب وقد يكون تراخ؛ لأسباب من أظهرها غموض غير يسير يحفّ هذه الكلمة، لا في معاجم اللّغة فحسب، وإنّما في المدوّنة النّقديّة والشّعريّة أيضا، وبخاصّة كتب الاختيارات الموسومة بـ"الحماسة".على أنّ هذه المادّة ثروة لغويّة طائلة لا نستطيع أن نستثمرها كلّها، وإنّما نتخيّر منها ما يناسب بحثنا ويعزّز طروحاتنا. فلم يكن بدّ من جهد "خاصّ" قد لا يخلو من بعض مجازفة أو حدس في بحث هذه المادّة اللّغويّة، فافترضنا عليها ما افترضنا، وقلّبناها على ما قلّبنا.

أمّا ثاني السّببين فمردّه إلى أنّ المصطلح لا يمتلك حياته ولا سلطته المرجعيّة إلاّ إذا أدّى عن "المفهوم" الذي وضع له، بدقّة من جهة واتصل بأفهام القرّاء من أخرى. فعلى أساس من هذه الوظيفة المنوطة به، نستطيع تقدير رجحان مصطلح على آخر، كلّما كانت منزلته تكافئ منزلة مفهومه أو كان أوفر حياة وأوفى دلالة. أمّا إذا أخلّ بها أو قصّر دونها، فمن حقّنا أن نعيد تأصيله أو نعيد تأسيسه إن لزم الأمر، آخذين بالحسبان ما يثيره ذلك من قضايا ومشكلات، متحوّطين لها كأشدّ ما يكون التحوّط، فقد يؤدّي فهم مخصوص للمصطلح يحمله على هذا الوجه أو ذاك، إلى جرح عظيم يأباه مقصده ويندّ عنه سياقه.

إنّ التّأسيس لا يعدو في تقديرنا حالين اثنين: فقد يعني الوضع والإنشاء وصنع المبادئ والمناهج الأساسيّة كتلك التي بنى عليها العرب علوم الحديث والتّفسير وأصول الفقه وعلوم النّحو والبلاغة والشعر والعروض، وقد يعني استحداث صيغ وجود وصيغ معرفة غير مألوفة أو هي متخارجة عن السنن والتّقاليد.

الحماسة لغة من حمس أي اشتدّ. وحمس بالشيء: علق به. والحماسة:الشّجاعة والمنع والمحاربة. والتحمّس:التشدّد. ورجل حمس وحميس وأحمس:شجاع. والأحمس:الشّديد الصّلب في الدّين والقتال، والورع المتشدّد على نفسه في الدين. وقال ابن الأعرابي: الحمس (بفتح الحاء):الضّلال والهلكة والشرّ. وسنة حمساء:شديدة. والحمساء هي الكعبة. و الحمسة الحرمة. و الحمس (بضمّ الحاء) لقب قريش وكنانة و جديلة في الجاهلية، لأنّهم كانوا يتشدّدون في دينهم وشجاعتهم فلا يطاقون. وقيل سمّوا حمسا لأنّهم تحمّسوا في دينهم أي تشدّدوا. و جاء في كتب السيرة أنّـه "لا ينبغي لأهل الحلّ أن يأكلوا من طعام جاؤوا به معهم من الحلّ إلى الحرام إذا جاؤوا حجّاجا أو عمّارا و لا يطوفوا في البيت إلاّ في ثياب الحمس فإن لم يجدوا طافوا عراة … و أمّا النّساء فتضع إحداهن ثيابـها كلّها إلاّ درعا مفرّجا (مشقوقا من قدّام أو من خلف) ، ثم تطوف فيه."

حاصل هذه النّبذة اللغويّة الخاطفة أنّ مادّة "حمس" بشتّى مشتقّاتها تكاد لا تخرج عن معاني الشدّة والمنع والشّجاعة والمحاربة، سواء تعلّق الأمر بالحرب والقتال، أو بالدّين وطقوسه،أو بغيرهما من شؤون العرب القدامى، ومن أنظمة قيمهم.

إذن ما الذي يسوّغ اتّخاذ هذه الكلمة"حماسة" عنوانا لعدد من الدّواوين أو المختارات الشّعريّة عند القدماء، ومشتقّها النّعتي مقابلا عند المعاصرين للفنّ الغربي المعروف بPoésie épiqueHéroïque أي "شعر حماسيّ" ؟ أو

جاء في دائرة المعارف الإسلاميّة أنّ بقطرBocthor هو أوّل من وضع هذه التّرجمة "شعر حماسيّ".بيد أنّها كانت،على جلالها، قصيرة العمر أو من الهباء الذي لا يعمّر، إذ سرعان ما عفّى عليها البلى، وناب عنها المصطلح الذائع "شعر ملحميّ" أو"ملحمة شعريّة"Epopée الذي نديره على ألسنتنا بكثير من اليسر والسّهولة، برغم أنّه ـ على ما يتهيّأ لي ـ يعاني قدرا من قلق العبارة، غير يسير. ولعلّ مصطلح"شعر الحماسة" أن يكون أوفر دلالة منه، وأنمّ على هذا النّوع من الشّعر القصصي الذي يسرد أعمالا ومغامرات بطوليّة تمّحي فيها الحدود بين الواقعي والخارق،والتّاريخي والأسطوري، في سياق الإشادة ببطل والتّغنّي بمآثره.

إنّ ديوان الحماسة لأبي تمّام (ت.231هـ/847م) هو أقدم هذه الدّواوين وأشهرها. والمثير فيه ليس محتواه، وإنّما عنوانه الذي حار المعاصرون في دواعيه. وذهب أكثرهم إلى أنّ الديوان إنّما سمّي كذلك، لأنّ الحماسة هي أوّل أبوابه العشرة وأكبرها. وجاء في دائرة المعارف الإسلاميّة أنّ ذلك كان بغير قصد وبلا ترتيب واضح. وكأنّ الكتاب أو هذا المتخيّر ـ على طرافته ـ حشد من الموضوعات أو من معاني الشّعر لا ينتظمها سياق واحد أو هي لا تنضوي إلى نسق بعينه. فأوّلها في "الحماسة"، كما أسلفنا، أي هو مقطوعات وأبيات من شعر المشهورين والخاملين من شعراء الجاهليّة والإسلام، في الجرأة والبسالة في الحرب. وثانيها في "المراثي" أو موضوع الموت. وثالثها في "الأدب" أي الأخلاق. ورابعها في "النّسيب" أو موضوع الحبّ. وخامسها في "الهجاء" أو مثالب العدوّ. وسادسها في "الأضياف والمديح" أو موضوع الكرم. وسابعها في "الصّفات" أو الخلال المتعدّدة. وثامنها في "السّير والنّعاس" أو موضوع النّوم ينعم به الرحّالة. وتاسعها في "الملح" أو سرعة البديهة. وعاشرها في "مذمّة النّساء" أو نقائصهنّ ومثالبهنّ.

وربّما وقع في الظنّ،استئناسا بـهذه الأبواب التي تتفاوت طولا وقصرا، أنّها لا تنشدّ إلى نسق واضح، أو أنّ مردّ التّسمية إلى إطلاق الجزء على الكلّ، لا أكثر ولا أقلّ. وهذا، في تقديرنا، من مدخول الظنّ وخادع الانطباع. فإذا كان أكثر كتب الحماسة التي ترسّمت أثر أبي تمّام، أو احتفظت بعنوانه، حتّى فقد هذا العنوان بريقه أو معناه الاشتقاقي، وصار مرادفا لكلمة "مختارات" أو"ديوان"، مثل حماسة ابن الشّجري المعروفة أيضا بـ"مختارات شعراء العرب"، وغيرها ممّا هو مطبوع أو مفقود ممّا لا يتّسع المجال لذكره،فإنّ حماسة أبي تمّام أو حماسة البحتري المرتّبة في مائة وأربعة وسبعين بابا، وفقا لأغراض شعريّة مخصوصة، محكومة بـ"فضاء معرفيّ" أو ما ينحتُ له بعضُ أهلِ الفلسفةِ نحتًا بالتّعريب، مقولة "أبستيميْ" Epistémé - ونعني ذاك الذي يتمّ ضمنه التّعلّق بإمكان مفهوم كلّيّ للحماسة. وهو فضاء منشدّ إلى سقف "النّسق" الذي يستوعب المختلِف داخله ليبقى نسقا. أي أنّ حماسة أبي تمّام يمكن أن تستوعب هذه الأبواب على اختلافها أو تباينها.

وهذا الرّأي إنّما نسوقه بشيء من الاطمئنان، إذ يشقّ علينا أن نصدّق أنّ شاعرا مثل أبي تمّام وهو ذو عقل وصاحب صنعة، وضع هذا المفهوم في تسمية متخيّره الشّعري دون أن ينعـم النّظر في بنية القصيدة، أو دون أن يستأنس برؤية مخصوصة للحماسة.

ولنا، فيما يأتي، أن نصرف النّظر عن الباب الأوّل وعنوانه ينبئ عنه، ونتخيّر أيّ باب من هذه الأبواب التّسعة، عسى أن نتبيّن أنّها راجعة كلّها إلى الحماسة، من أيّ جهة من جهات القول جئتها، واحتشدت لها أو عليها. وليكن باب النّسيب أو موضوع الحبّ، وهو الرابع في ديوان الحماسة. وقد ميّزه أبو تمّام من الباب العاشر وهو في مذمّة النّساء. ولا مسوّغ لاختيارنا هذا سوى ما يقع في الظنّ من أنّه ليس أبعد من النّسيب أو الغزل عن الحماسة. بل لعلّه يقع في الطرف المقابل لها. وليس الأمر كذلك، على ما نظنّ ونرجّح.

المرأة في النّسيب أو المقدّمة الغزليّة هي كلّ النساء و الجسد هو كلّ الأجساد، فاسم الأنثى يجري فيها دون وقوع على صاحبته. وقد يستثني الغزل العذري، فاسم بثينة كما يقول ابن رشيق، وقف على جميل بن معمر المعروف ب"جميل بثينة". و هو اسم يحيل إلى شخصيّة لها وجود تاريخي "إلاّ أنّ اسم بثينة أصبح مشاعا في الغزل وفي شعر الحبّ الصوفي، مثل ليلى وهند وسلمى... و من ثمّ فهو أيضا رمـز للأنـثى الكونية أو للحبيبة الأسطورية. فإذا كان الاسم رمزا عاماّ لا يحيل إلى امراة بعينها فمن الطبيعي أن يكون الجسد الذي يزجي إليه الشاعر مديحه استعارة عامة لا تبرح بنيتها ولا تحيل إلى كيان يقوم خارجها . لكأنّ الشاعر القديم كان يدرك اعتباطية الاسم الشخصي الذي يمنح للفرد رجلا أو امرأة وما ينطوي عليه من علاقة تواطئية بين الفرد والجماعة. وقد ارتبطت الأسماء عند قدماء العرب بطابع حياتهم ومعاشهم ومعتقداتهم وأساطيرهم. فلم يكن الشاعر يجد غضاضة في أن تتعدّد اسماء النساء في القصيدة الواحدة، فيطلق على المراة اسم هند أو أسماء أو فاطمة… فهي أسماء تقليدية تواضع عليها الشعراء وجرت في أشعارهم مجرى الرموز وفاء لتقليد شعري قد يكون سنّه أبو داود الايادي. يقول ابن رشيق "كان امرؤ القيس يتوكأ عليه ".

أسماء محدودة لا بدّ أن " تحلو في الأفواه" بعبارة ابن رشيق، لأنّ الغرض من ذكرها ليس الغزل وإنّـما تجسيد حالة من الحماسة تأخذ على الشاعر نفسه. فمن وجوه الطرافة في الافتتاحية الغزلية أنّ الشاعر يتـّخذ المرأة قناعا يتستّر وراءه أو صورة يجاذبـها جانبا الحقيقة والمجاز، فيكنّي عن نفسه بها". فإن هذه المرأة الرمز وهذا الجسد الاستعارة ليسا إلا "لعبة شعرية" لها قواعدها المحددة. أي تلك التي لا ينبغي للشّاعر أن يحيد عنها، فإذا حاد عنها أو استبدل قواعدها بقواعد أخرى، كان المستمع أو الناقد منه، بإزاء حكمين: إمّا أن يعتبره خارجا على النموذج الشعري عابثا بأصوله. و إمّا أن يعتبره محدثا مجدّدا لأصول الشعر.

من أهمّ هذه القواعد أنّ الرجل هو الذي ينسب بالمرأة أو يشبّب بـها، ولا ينبغي للمرأة أن تنسب بالرجل فـ"العادة عند العرب أنّ الشاعر هو المتغزّل المتماوت وعادة العجم أن يجعلوا المرأة هي الطالبة والراغبة المخاطبة وهنا دليل كرم النّحيزة [الطبيعة] عند العرب و غيرتـها على الحرم" بتعبير ابن رشيق.

هذا برغم أنّنا لا نعدم في الوفرة من شعر الغزل عند العرب، قصائد و أبياتا متفرّقة، تنسب فيها المرأة بالرجل أو تتغزّل به، لكنّها من الندرة بحيث لا يعتدّ بها ولا يُحتجّ في نفي القاعدة السائدة. فالمرأة في شعر الحماسة موضوع أكثر منها ذاتا. وعلى هذه القاعدة تتحدّد صورة المرأة الخيالية في القصيدة وتقاس مهارة الشاعر الفنيّة ووفاؤه للنموذج الشعري.

إنّ الافتتاحبة الغزلية (النسيب) التي وسمت شعر الحب عند العرب في مختلف مراحله، ليست إلا "ميدان تضليل مقنّن"، بحيث تدخل كلّ عناصرها في باب المتخيّل، وتؤكد غلبة سلطان العرف الشعري على سلطان الواقع . فإذا كان غياب المرأة من حيث هي كائن اجتماعي يقابله حضورها المتخيّل، فانّ حضور الرجل من حيث هو ذات فاعلة، يقابله غيابه من حيث هو موضوع لرغبة المرأة. وهي رغبة لا تظهر لا في الافتتاحية الغزلية ولا في قصيدة الحب، لأنّ العرف الشعري يجعل من المرأة وحدها موضوع رغبة. والأمر أكثر منه حيلة فنية التجأ إليها الشعراء تعبيرا عن صدق العاطفة وتمكّن الهيام والوجد.

فمثل هذا التفسير، يصدر عن روية تغفل خصوصية "الغزلية" عند العرب. فقد سعى هؤلاء إلى تقدير الغزليّة وغيرها من أغراض الشعر / من حيث هي تصوير فنّي لجملة من القيم والمثل العليا، هي ليست إلاّ قيم الحماسة ومثلها التي يستحب فيه مراعاة السابق والنّسج على منواله، حتى يبقى للشعر جانب القوة والشـدّة والفـحولة فيه. فبهذا القياس الصّارم كان يؤخذ الشعر فيعاب إذا خرج عليه، وليس بمقياس الصـدق والكذب. ذلك أنّ مصدر الشعر عند العرب هو الجماعة وليس الفرد، وهم الذين دأبوا على اعـتبار الشعر ديوانـهم وسجلّ مآثرهم، حتى أن أكثر البلاغيّين والنقاّد العرب نباهة مثل عبد القاهر الجرجاني وحازم القرطاجني لم يخرجا عن هذه الرواسم خروجا كبيرا. فقد قارب عبد القاهر الكلام على الإيهام، في حديثه عن التخييل من حيث هو ادعاء دعوى لا سبيل إلى تحصيلها و قول قول يخدع فيه الشاعر نفسه ويريـها ما لا ترى، الاّ أنّ الخيال ظلّ عنده خيـالا مجازيا يمـتح عناصره من قوة العقل التخييلية، لأنّ الاسـتعارة في نظريته لا تستقيم إلا إذا كان لها شبح في العقل، و ليس خيالا خلاّقا يـغذو فروعا من شجرة الواقع وأغصانا جديدة أو يأخذ فرعا من هنا وغصنا من هناك فيضفر شجرته على غير مثال سابق ونمـوذج يحتذى. وقرن حازم التخييل بالغرابة وجعل الصدق ناجما عن خفاء الكذب، إلاّ أنّه أبقى على تعريف قدامة بن جعفر للشعر فـ"الشعر كلام موزون مقفى من شأنه أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها ويكرّه إليها ما قصد تكريهه، لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه …(و) أفضل الشعر ما حسنت محاكاته وهيئته وقويت شهرته أو صدقه أو خفي كذبه و قامت غرابته". فعلى هذه القواعد كان يجري الشعر وتجري صوره. ولم تكن صورة المرأة إلا استجابة لبواعث الغزلية و خصائصها الفنية. هذه البواعث والخصائص التي كانت تلزم الشاعر بان يقدّ كلامه على مقتضى الحال والعرف الشعري السائد معا.

فإذا كانت الغزلية ذات منحى حسيّ كانت الثنائية التي تحكمها هي ثنائية الجسد الضّعيف العاجز (جسد الأنثى) والجسد القوي الفاعل (جسد الرجل) فإذا نحت الغزلية منحى عذريا حصل تراتب عكسي، فالجسد الضعيف العاجز هو جسد الرجل (الجسد الناحل أو اللامرئي) والجسد القوي الفاعل هو جسد الأنثى. دون أن ينجم عن ذلك أيّ إخلال بقواعد اللغة أو العرف. فسواء كانت الغزلية حسية أم عذرية فإنّ الرجل هو "الطالب" دائما والمراة هي "المطلوب" دائما، هو " الراغب " وهي "المرغوب فيه ".

يقول أدونيس إنّ "الشعر الجاهلي شعر شهادة … غايته أن يتحدّث مع الواقع ويصفه ويشهد له. يحبّ الأشياء حوله لذاتها و لما تمثله، ويضع كل شيء حيث يفرح به ويفيد منه".

هذه القولة مفتاح لفهم صورة المرأة، في حماسة النّسيب أو الحضريّ منه، فالشاعر العربي القديم إذ يصف المرأة ويجزّئ جسدها، إنـّما "يشيئه" أي يحوّله إلى أشياء. والإنسان يجزّئ عادة الأشياء التي يملكها أو يرغب في الاستئثار بـها والقبض عليها مخافة أن تفلت منه. و"الأشياء" في نظر الجاهلي تعبر كالغيم، تتراءى وسرعان ما تغيب، تصبح كل لحظة ذكرى شيء يضيع أو يغيب". ومن هنا كانت المقدمة الغزلية محاولة لتثبيت لحظة هاربة والتشبت بها. فحسّ الزمن في هذه المقدمة حسّ فاجع يشي بزوال الأشياء و تلاشيها، حتّى أنّ الأمنية التي تستبدّ بالجاهلي هي أن يصبح هو نفسه شيئا أو مادّة غفلا:

ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر*** تنبو الحوادث عنه وهو ملموم

إنّ صورة المرأة لتؤكّد الجميل من حيث هو "تعبير عن المثل الأعلى في صورة فنية حسية"بعبارة هيجل، مثلما تؤكّد الجليل بكلّ ما يحيل إليه من معاني العظمة والرهبة والانتقال من المرئي إلى المتخيل ومن النهائي إلى اللانهائي. وفي هذا الجمع بين الجميل والجليل معنى من معاني الحماسة من حيث هي بذل وفداء ومغامرة إن شئنا. وبسبب من ذلك أسميناها حماسة النّسيب. فالجميل انسجام وتناسب وتناظر أي بنية متناغمة العناصر تثير في الشاعر إحساسا بالمتعة وهو يكتشف في هذا الجسد المضخّم المجزّأ (جسد المرأة) الذي ابتدعته مخيّلته لا وسيلة تلبي حاجة فحسب، وانـّما شهادة لفعله أو لحماسته. ولعلّ هذه المتعة التي كان يستشعرها الشاعر الجاهلي والمتلقي معا، هي التي تفسر إلى حدّ كبير سرّ هذا الاحتفاء المثير بالمرأة في أكثر مقدّمات الشّعر العربي. وأمّا الجليل فيفجّر "حدود التوافق بين الواقع والمثل الأعلى". فالشاعر الجاهلي ما أن يفرغ من المقدمة الغزلية حتى ينتقل إلى مشهد آخر، فيذهب به الجليل في القوة والتعاظم دون أن يقف عند حدّ أو غـاية مؤكدا في الآن نفسه "تفوق العالم على القوة الإنسانية من جهة و إصرار الإنسان على تأكيد ذاته وحريته من جهة أخرى" (أدونيس).

ولذلك لم يكن بالمستغرب أن يقترن تضخيم الجسد في القصيد الجاهلي بتضخيم الذات وأن يقترن تمجيد الجسد بتمجيد البطولة. وقد كانت البطولة دائما مقرونة بالجلال، من حيث هي إرادة لتجديد الحياة قوية، وسعي إلى الظفر بالمثل الأعلى حثيث واحتجاج على المتناهي يجد صداه في اللامتناهي. وهذا ما يجعل هذا الحب الجسدي صفة ملازمة للفروسية. فبوساطة هذا الحب يشحذ الشاعر قوته ويذكي رغبته في المغامرة، متخطيا جسد الأنثى إلى جسد البطولة و كأن "لا شيء يرويه أو يرضيه أو يحدّه "(أدونيس). ومن ثم كانت شخصية الفارس كما يرسمها الشعر الجاهلي "جوابة ومقيمة في آن … في الليل يأسره النهار، وفي النهار يحنّ إلى المرأة"، حتى لكأنّ الرغبة التي تستأثر به أن تكون حياته على هيئة الصحراء "مطلقة ونسبية، بسيطة ومعقدة، ثابتة وتنهار كالرمل". بل إنها لعلى هذه الهيئة تكون. فكل شيء في القصيد الجاهلي يتخذ هيئة الصحراء اللامحدودة، بدءا بالجسد وانتهاء بذات الشاعر.

ونقدّر أنّه ليس هناك كلمة أبلغ في تمثّل هذه الحالة من كلمة "الحماسة" التي كان العرب يطلقونها على شعرهم قبل أن يحمل عليه تصنيف الأنواع أو الأغراض إلى غزل وفخر ورثاء … والحماسة مصطلح حياتي وفلسفي شامل وعميق، يجسّد أوج الانفعال بحالة من الحياة تتجاوز الحاضر إلى الغائب و المرئي إلى اللامرئي أو المتخيل، كما يذهب إلى ذلك مطاع صفدي. فـ"حماسة النسيب" لا تنحصر في الانفعال بجسد الأنثى وإنما تتفرّع إلى انفعال بجسم البطولة وإلى انفعال بجسد الحب يتحوّل إلى احتفال بالجوهر الأنثوي، ويرقى إلى ما يمكن تسميته "توثين الجسد" أو "أسطرة الجسد". فمن خلال الحماسة يصوغ الشاعر صورة الجسد الكونية، هذه الصورة التي يبدو فيها الجسد ضربا من المجاز أو استعارة كبرى. فهو جسد– مثال يمتح الشاعر عناصره من أجساد وأجسام عامة، من آلهة وطواطم كانت لها قداسة في غابر الجاهلية. من ذلك أن "العزّى" مثّلت عند قدماء العرب امرأة حسناء في صورة الزّهرة وبنتا من بنات "هبل" إله الخصب والرزق، تقلّبت في كافة الطقوس الأرضية و السّماوية فمثّلت فصل الشتاء ضدّ "اللات" التي مثّلت فصل الصيف ثم نجم الصباح حينما ظهرت "اللات" في صورة الشمس. و أن "مناة" امرأة مثّلت عندهم الموت وأنّ وأد البنات لم يكن لمجرّد دافع اقتصادي كما درج على ذلك المفسّرون، فلربما كان طقسا دينيا أي تضحيـة بالأنثى هدفـها التقرب للإله القمر "ود" الذي هو رمز الأنوثة والخصوبة (علي زيعور).

03‏/09‏/2008

الجاحظ/الحجاج

هذا الكتاب هو في الأصل أطروحة لنيل درجة الدكتوراه أنجزتها المستعربة كورنيليا فون راد-صكوحي وأشرف عليها حمادي صمّود من جامعة منوبة وجوزيف ديشي من جامعة ليون2 والمؤلّفة من أعضاء حلقة البحث في البلاغة والحجاج التي يشرف عليها الأستاذ صمّود وهي أيضا مؤلفة كتاب الحجاج في المقام المدرسي.
هذا هو الكتاب تمحور حول الجاحظ:
كورنيليا فون راد-صكوحي: مفهوم اللغة في كتاب الحيوان للجاحظ والإحتجاج بها

أهم نظريات الحجاج

حمّل كتاب أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم _كتاب جماعي بإشراف حمادي صمّود-من منشورات الجامعة التونسية

03‏/08‏/2008

الحَــلاَّجُ ومُحَاوَلَةُ تَفْجِيرِ اللُّغَــةِ


الحَــلاَّجُ ومُحَاوَلَةُ تَفْجِيرِ اللُّغَــةِ يوسف زيدان


تَمْهِيــدٌ

فى كل تاريخٍ ــ عامٍ أو خاص ـ لحظاتٌ حاسمة، تحدثُ فيها التحولات الكبرى؛ وقد كانت سنة 309 هجرية من أعظم السنوات حسماً وتحوُّلاً فى تاريخ التصوف.. ففى هذه السنة، وبالتحديد : يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شهر ذى القعدة، أُخرج الحسين بن منصور الحلاَّج من سجنه، فجُلد، وقُطعت يداه ورجلاه ، وشُوِّه، وصُلب، وقُطعت رأسه ، وأُحرقت جثته .

ولم تكن الأحداثُ التى وقعت فى هذا اليوم، مُفاجئة.. بل كانت مأساة الحلاج متوقَّعة منذ بدأتْ محاكمته ببغداد، قبل قتله ببضعة أشهر تنفيذاً للحكم النهائى، الذى أصدرته هذه المحكمة الفقهية .. تلك المحكمة التى انتهت إلى إلصاق تهمة المروق عن الدين، بهذا الصوفى العارم. بيد أنه يمكن القول، أيضاً ، أن نهاية الحلاج المأسوية، كانت متوقَّعة من قبل ذلك بسنوات طويلة ! فقد سمعه أبو القاسم الجنيد يتكلَّم فى بعض (الحقائق) الصوفية، فانزعج واحتدَّ على الحلاج، وصرخ فيه: أية خشبة سوف تفسدها ... وهى إشارةٌ مبكرة، أنبأت بالمصير الذى ينتظر الحلاج، وبنهايته مصلوباً على خشبة ! ولابد لنا هنا ، من ملاحظة أن هذه النبوءة، ارتبطت .. بل انطلقت ، من كلام قاله الحلاج.

إِشْكَالِيةُ الُّلغَةِ

مع النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى، أخذت مشكلة اللغة تطفو على سطح التصوف. فقد تعمَّقت الأحوال الصوفية ودقَّت المعانى وتفرَّدت، فلم يعد بإمكان اللغة العادية أن تصوِّر الدقائق الصوفية التى يودُّ أهل الطريق البوح بها. وتفاقم ذلك الإشكال التعبيرى، حتى صار بمثابة أزمة تبدَّت فى شطحيات أبى يزيد البسطامى (المتوفى 261 هجرية) التى اشتهر بين الصوفية أنها: عبارات غريبة، ظاهرها مستشفع وباطنها صحيحٌ مستقيم، وهو تعريف أبى نصر السَّرَّاج الطوسى، الذى نقل فى كتابه الشهير (اللمع فى التصوف) العديد من شطحات البسطامى أو عباراته الغريبة / المستشنعة/ الصحيحة، مثل قول أبى يزيد :

أَشْرَفْتُ عَلَى مَيْدَانِ اللَّيْسِيَّةِ، فَمَا زِلْتُ أَطِيرُ فِيهِ عَشْرَ سِنينَ، حَتَّى صِرْتُ مِنْ لَيْسَ فى لَيْسَ بِلَيْسَ، ثُمَّ أَشرَفتُ على التضييعِ، حَتَّى ضِعْتُ فىِ الضَّيَاعِ ضَيَاعاً، وضَعْتُ ، فِضِعتُ عَنِ التَّضْييع بليْسَ، فىِ لَيْسَ، فىِ ضَيَاعَةِ التضْييعِ، ثُمَّ أشرَفتُ عَلَى التوحِيدِ، فىِ غَيْبُوبَةِ الخَلقِ عَنِ العَارفِ، وغيْبوبَةِ العارِفِ عن الخلْقِ(1).

والمتأمل فى العبارة، يلمح على الفور ما تشتمل عليه من وُعورةٍ لغوية تشى بتلك الأزمة التعبيرية التى عانى منها الصوفية منذ زمن البسطامى.. بل قبل البسطامى بفترة، وهو الأمر الذى لاحظه د. عبد الرحمن بدوى فى بعض الآثار المروية عن رابعة العدوية، من نوع قولها عن الكعبة الشريفة لما حَجَّت إليها: هَذا الصَّنَمُ المَعْبُودُ فِى الأَرْضِ ، وإِنهُ مَا وَلَجَهُ اللهُ ولاَ خلاَ منْهُ(2) .

ويمثل الحلاَّج مرحلة متقدمة من مراحل أزمة اللغة عند الصوفية، كما يمثل التضحية الكبرى التى قدَّمها الصوفية، فى طريقهم نحو إقرار القاموس الصوفى الخاص.. فقد قدَّم الحلاَّج حياته ثمناً لمحاولته التعبير عن الأحوال التى، يعاينها ويعانيها، مثلما عاينها وعاناها معاصروه من رجال التصوف. فها هو أبو بكر الشبلى (رفيق الحلاج) يشطح بعبارات لاتقل وُعورة وخطورة عما شطح(3) به الحلاج ، لكنه حين واجهوه بها، ادَّعى الجنون ودخل البيمارستان ! فعاش بعد مصرع الحلاج إحدى عشرة سنة (توفى سنة 320) وكان يقول: أنا والحلاج شئ واحد، فأهلكه عقله وخلَّصنى جنونى !

حَيَاةُ الحلاَّجِ

وُلد أبو المغيث الحسين بن منصور الحلاج حوالى عام 244هجرية(4)، بقرية تابعة لبلدة البيضاء الفارسية، فدرس علوم الدين، ثم سلك طريق الصوفية على يد الشيخ سَهْل بن عبد الله التسترى.. ثم طاف وساح فى البلدان، وصحب جماعة من كبار مشايخ العصر كالجنيد والنورى وابن عطاء وعمرو بن عثمان المكى.. وجرت بين الحلاج وهؤلاء المشايخ وقائع كثيرة، يضيق المقام هنا عن ذكرها، لكنها فى مجملها تشير إلى نأى الحلاج وتفرُّده عن أهل الزمان، وتؤكد شعوره بذاته على أنه : نسيج وحده ..مع أنه يعانى ما يعانيه القوم.

وقد عاش الحلاَّج التجربة الصوفية بكل ما فيها من صدقٍ و روعة، وغرق فى بحر النور الإلهى تمام الغرق. ولسوف نقتصر فيما يلى على ذكر فقرتين شهيرتين من سيرة الحلاج ، تلك السيرة التى أفاض فيها المؤرخون والمترجمون له(5) .. وهاتان الفقرتان تكشفان عن طبيعة الحياة التى عاشها الحلاَّج ، وطبيعة الموقف الذى تمت فيه إدانته :

الفقرة الأولى قال ابن باكويه : سمعتُ الحسين بن محمد المذارى يقول: سمعتُ أبا يعقوب النهرجورى يقول : دخل الحسين بن منصور الحلاَّج مكة، فجلس فى صحن المسجد لايبرح من موضعه إلا للطهارة أو الطواف، لايبالى بالشمس ولا بالمطر، فكان يُحمل إليه كل عشية كوزٌ وقرص (ماء وخبز) فيعضُّ من جوانبه أربع عضات ويشرب(6) .

الفقرة الثانية قال ابن زنجى: وحُملت دفاتر من دور أصحاب الحلاج، فأمرنى حامد ــ الوزير ــ أن أقرأها والقاضى أبو عمر حاضر، فمن ذلك قرأتُ: إن الإنسان إذا أراد الحج، أفرد فى داره بيتاً، وطاف به أيام الموسم، ثم جمع ثلاثين يتيماً، وكساهم قميصاً قميصاً، وعمل لهم طعاماً طيباً، فأطعمهم وخدمهم وكساهم، وأعطى لكل واحدٍ سبعة دراهم أو ثلاثة، فإذا فعل ذلك ، قام له ذلك مقام الحج! فلما قرأت ذلك الفصل، التفت القاضى أبو عمر إلى الحلاج وقال له: من أين لك هذا؟ قال : من كتاب الإخلاص للحسن البصرى. قال : كذبت ياحلال الدم، قد سمعنا كتاب الإخلاص وما فيه هذا(6). فلما قال أبو عمر: كذبت ياحلال الدم قال له حامد: أكتب بهذا ! فتشاغل أبو عمر بخطاب الحلاَّج، فألحَّ عليه حامد، وقدَّم له الدواة، فكتب بإحلال دمه، وكتب بعده مَنْ حضر المجلس، فقال الحلاج : ظهرى حِمىً، ودمى حرام، وما يحل لكم أن تتأولوا علىَّ، واعتقادى الإسلام، ومذهبى السنة، فالله الله فى دمى ولم يزل يردد هذا القول وهم يكتبون خطوطهم، ثم نهضوا ورُدَّ الحلاج إلى الحبس، وكُتب إلى المقتدر -الخليفة- بخبر المجلس، فأبطأ الجواب يومين، فغلظ ذلك على حامد، وندم وتخوَّف، فكتب رقعةً إلى المقتدر فى ذلك يقول: إن ماجرى فى المجلس قد شاع، ومتى لم تُتبعه قتل هذا - الحلاَّج - افتتن به الناس، ولم يختلف عليه اثنان. فعاد الجواب من الغد :" إذا كان القضاة قد أباحوا دمه، فليحضر صاحب الشرطة، ويتقدم بتسليمه وضربه ألف سوط، فإن هلك وإلا ضُربت عنقه.." فسُرَّ حامد(7) .

ويوم مقتله، وبينما كان الحلاَّجُ مشدوداً على الصليب الخشبى (الخشبة التى أفسدها) وقبيل حَزَّ رقبته؛ نظر إلى السماء مناجياً ربه:

نَحَنُ بشَوَاهِدِكَ نلُوذُ

وبِسَنَا عِزَّتِكَ نَسْتَضِئ

لِتُبْدِى لَنا مَا شِئْتَ مِنْ شَأْنِكَ

وأنْتَ الذِى فِى السَّماءِ عَرْشُكَ

وأَنْتَ الذِى فىِ السَّمَاءِ إلَه

وفِى الأرضِ إِلَه..

تَجَلَّى كَمَا تَشَاء

مِثْلَ تَجَلِّيكَ فىِ مَشِيئتِكَ كأَحْسنِ صُورَةٍ

والصُّورَةُ

هِىَ الرُّوحُ النَّاطِقَةُ

الذِى أفْرَدْتَهُ بالعلمِ (والبيَانِ) والقُدرَةِ

وهَؤَلاءَ عِبَادُكَ

قَدْ اجْتَمَعُوا لِقَتْلِى تَعَصُّباً لدِينكَ

وتَقَرُّباً إليْكَ

فاغْفرْ لَهُمْ !

فإنكَ لَوْ كَشَفْتَ لَهُمْ مَا كَشَفْتَ لِى

لما فَعَلُوا ما فَعلُوا

ولَوْ سَتَرْتَ عَنِّى مَا سَترْتَ عَنْهُمْ

لما لَقِيتُ مَا لَقِيتُ

فَلَكَ التَّقْديرُ فِيما تَفْعَلُ

ولَكَ التَّقْدِيرُ فيِما تُرِيدُ(8) .

والآن ، لِننظر فيما ذكره الحلاج من (البيَانِ) وعطفه -بالواو- على العلم والقدرة حين قال: وأفردته بالعلم والبيان والقدرة .. بعبارة أخرى: لننظر فيما إذا كان الحلاجُ قد نجح فى (الإبانة) وما هى حدود نجاحه ؟

لُغَةُ الحلاَّجِ

حين أراد الحلاَّج أن يترجم بالألفاظ، ما يمرُّ به من أحوال. لم يكن بإمكانه أن يستعير أساليب تعبيرية من الصوفية السابقين عليه، أو المعاصرين له. فالسابقون كانوا يكتفون بالتعريف الموجز لحقائق الطريق، دون محاولة لتأسيس مفردات لغوية خاصة، وكانوا لايجدون حرجاً فى التعبيرات الشاطحة ، ربما لثقتهم من أنه سيأتى من يتأوَّلها لصالحهم، تأويلاً محمولاً على حسن الظن بهم. والمعاصرون للحلاج من كبار الصوفية، كانوا يراعون العامة والفقهاء، فيكتفون بالإشارات المقتضبة الموجزة ، كأن يجيب الجنيد عن سؤال حول المعرفة والعارف، بقوله : َلَوْنُ الماءِ لَوْنُ إِنَائهِ .." وهى عبارة خطيرة سوف يسهب الصوفية من بعده فى الكلام عليها، لكنها من حيث الصياغة اللغوية ، خالية من أية محاولة لنحت لفظ صوفى متفرِّد .

هكذا لم يكن أمام الحلاَّج سبيلٌ للاستعانة بما سبقه ، وما يعاصره من الـتراث اللغـوى الصـوفـى. ومن ناحية أخرى، لم يكن بإمكانه أن يسكت أمام طوارق الأحوال.. فصار عليه أن يؤسِّس تراثاً لغوياً صوفياً، وأن يجد مخرجاً يتجاوز به أزمة اللغة التى تحول دون التعبير عن حقيقة الحال الذى يعاينه .. بعبارة أخرى، كان على الحلاج أن يجرِّب! خاصةً أنه القائل :

للعلم أهلٌ وللإيمان ترتيــبُ وللعلوم وأهليها تجاريبُ

ولماَّ كان الشعر الموزون هو أحد السبل التعبيرية المتاحة أمام الحلاج، فهو لم ير بأساً فى جعله مجالاً للتجريب . وقد تمخَّضت تجاريبه الشعرية عن قدر لابأس به من المتناثرات الشعرية، التى جمعها الدكتور كامل الشيبى فى مجلد واحد، ونشره محقَّقاً منذ سنوات ببغداد .. فمن تجارب الحلاَّج الشعرية، قوله مبرراً مايلبسه من ثياب رَثَّة (القشر) تخفى تحتها نفساً كريمة (اللُّبّ) ، ومشيراً إلى الأمر الجسيم الذى يشعر أنه مُساقٌ إليه :

لَئِنْ أمسيتُ فى ثوبى عديمٍ لقد بَليا على حُر كريــمِ

فلا يحزنك إن أبصرتَ حالاً مغيرةً عن الحالِ القديـــمِ

فَلِى نفسٌ ستذهبُ أَوْ سَترقى لِعمْرِكَ بى إلى أمرٍ جَسيمِ(9)

تبدو هذه القطعة الشعرية على المستوى اللغوى، فقيرة بلاغياً، بسيطة التركيب إلى حد السذاجة التى لاتطمح إلا فى الإخبار عن حقيقة الحال. وهى على المستوى الصوفى، تكشف عن مضامين متواضعة، حين تؤكد بقاء الذات وتكتفى بالإشارة إلى إمكانية فنائها.. إذ الفناء درجة عالية فى سلّم الترقِّى الصوفى. وليس هذا فحسب، بل تصف الأبيات صاحبها بأنه الحرّ الكريم وهى مسألة تعدُّ من الوجهة الصوفية : نوعاً من المدح المذموم للنفس.. وكان الصوفية آنذاك قد أدركوا ضرورة ما أسموه كسر حدة النفس كإحدى الرياضات الروحية التى يسعى من خلالها الصوفى ــ مهما بلغت مرتبته ــ إلى السيطرة على نفسه والخلاص من رُعوناتها .. إذن ، لم يستطع الحلاَّج ، هنا، أن يصل بالشعر إلى درجة من النضج اللغوى أو الصوفى، بحيث يبعث برسالة صوفية عميقة، وفى الوقت ذاته يتجاوز أزمة اللغة التى أشرنا اليها .

لكن الحلاَّج لم يقف فى تجاريبه الشعرية عند هذا الحد، وإنما انجرف مع الشعر دون حذر، وترك الإيقاع يقوده نحو دليل إدانته .. فقال فى أبيات أخرى:

أنتَ بـين الشِّغَافِ والقلبُ تجرِى مِثْلُ جَرْىِ الدُّمُوعِ مِنْ أَجْفَانِى

وتحلُّ الضَّمــيرُ جـَـوْفَ فــؤادى كحُلُــولِ الأرواحِ فى الأبدانِ

ياهِــلالاً بــدا لأربـعِ عَشْــرٍ لِثمَـانٍ وأَربــعٍ واثنتانِ(10)

وبقطع النظر عن البيت الأخير الذى لايحمل - من حيث ظاهر اللفظ ولاباطن المعنى - أية دلالات، ولايمكن اعتباره إلا كدليل على انجراف الحلاَّج مع البحر الشعرى والقافية، من دون هدف محدد.. جاء البيت الأول حانياً، رقيقاً، مشتملاً على صورة فنية جيدة التعبير، فيها سريان المحبوب (الله) فيما بين القلب وما يغلِّفه (الشغاف) وتشبيه ذلك بانسياب الدمع من الجفن المغلِّف للعين.وهى صورة معبرة-صوفياً- عن فكرة امتلاء المحبِّ بالمحبوب (الله) الذى هو حقيقة كل شئ... لكن الحلاج يصدمنا فى البيت الثانى بكلمة الحلول الخطيرة، تلك الكلمة التى لم يجربها فى الشعر الصوفى غيره، ثم يعيد ذكرها مرتين، فى كل شطرةٍ مرة، بل هو يؤكد معناها فى أبيات تجريبية أخرى ،يقول فيها، غير هَيَّابٍ ولا متحسبٍ لوقعها على أهل الزمان:

مُـزِجَتْ روحك فى رَوحى كما تُمـزَجُ الخمـرةُ بالمــاءِ الزِّلالِ(11)

وكأن الحلاج لم يكتف فقط بذكر كلمة الحلول التى كان يمكن تأويلها صوفياً على أى وجه من الوجوه، فإذا به يختم عليها بكلمة أشد خطراً: المزج. ثم يشبِّه هذا المزج بين روحه وروح المحبوب (الله) بمزج الخمر الحسية بالماء! وكانت تلك هى المرة الأولى - فيما نعتقد- التى تستخدم فيها كلمة الخمر فى الشعر الصوفى، ولسوف يعود شعراء الصوفية لاستخدامها على نطاق واسع، بعد إعطائها دلالة رمزية، بحيث تشير إلى النشوة بتجلِّى المحبوب (خمر المحبة) أو إلى تذكر عالم الذر الذى كانت فيه الأرواح، قبل خلق الأجساد، تُقِرُّ بالواحدانية لله (خمر التوحيد ، كأس : ألست بربكم) المهم الآن: أن الشعر جرف الحلاَّج، فأتى بكلمتين من قاموس الممنوع العقائدى .. فهل كان الرجل بالفعل يقصد : الحلول والمزج؟

فى شهادة - نثرية - للحلاَّج، نراه ينفى بشدة ما أثبته فى شعره! فيقول عن المزج ما نصُّه : مَنْ ظنَّ أَنَّ الأُلُوهِية تَمْتَزِجُ بالبَشَريَّةِ، فقَدْ كَفَر (12). وعن الحلول يقول: إِنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ هِىَ تَوْحِيدُهُ، وتَوْحِيدُهُ تَميُّزُهُ عَنْ خَلْقِهِ، وكُلُّ مَا تَصَوَّرَ فِى الأَوْهَامِ فَهْوَ - تعالى - بِخِلاَفِهِ ، كَيْفَ يَحُلُّ بِهَ، مَا مِنْهُ بَدَأ(13) ..

القضية إذن، أن الحلاج لم يستطع بالشعر أن يخرج من الأزمة ، مثلما استطاع من بعده شعراء الصوفية الأكثر نضجاً، أمثال ابن الفارض وجلال الدين الــرومــى. بــل وقع فى مأزق جديد عندما استسلم لوقع النظم ، وعندما جلــب كلمات مثل : الحلول، والمزج ..

وقد أثارت كلمات الحلاَّج حفيظة المعاصرين له، فأدانوه بكلمتى (الحلول - المزج) لما فيها من دعاوى نصرانية بحلول الله بالبشر وامتزاجه بهم .. وقد استثقلوا كلامه حول (اللاهوت والناسوت) لنفس السبب. ولم يقتصر الأمر على الفقهاء فحسب، فقد روى المؤرخون أن مشايخ التصوف أنفسهم: كانوا يستثقلون كلامه(14).

ومن الألفاظ التى لجأ إليها الحلاج فى محاولاته الأوّليّة هذه، كلمة شعشعانى التى اعتبرت - لغرابتها -دليلاً على سوء الأدب .. فقد احتدَّ عليه مرة الوزير علىّ بن عيسى، قائلاً له : كم تكتب ــ ويلك ـ إلى الناس تبارك ذو النور الشعشعانى ما أحوجك إلى أدب!(15)

.. وعلى هذا النحو، فشل الشعرُ الحلاجى فى الوصول لصياغة مقبولة يعبر خلالها المشجون المسجون فى اللغة، عن مكنون ذاته؛ وفشلت الكلمات التجريبية (حلول - مزج -لاهوت - ناسوت - شعشعانى ) فى حمل معانيه .. فلم يبق أمامه إلا الصراخ !

* * *

حملت كتب التراجم ، العديد من صرخات الحلاج .. مثل زعقته فى أسواق بغــداد: أيهــــا الـنـاس ، اعلموا أن الله قد أباح لكم دمى فاقتلونى ، اقتلونــى تؤجروا وأسترح،اقتلونى تكتبوا عند الله مجاهدين وأكتب أنا شهيد(16).

وفى غمرة هذا الانفجار الوجدانى ، لاحت للحلاَّج الوسيلةُ المثلى للخروج من المأزق .. وأدرك أن تأسيس اللغة الصوفية، لايكون بالاسترسال مع النظم، ولايكون باستخدام الألفاظ المثقلة بالدلالات القديمة .. وإنما يكون بتفجير اللغة.

مَوْلِدُ الُّلغَةِ الجدِيدَةِ

إن المراد بمحاولة الحلاج تفجير اللغة هو سعيه للتخلُّص التام من أسـاليـب الصياغة اللغوية الشائعة فى عصره، وطموحه الكبير إلى استبدال اللفظ الذى اهترئ من كثرة التداول، بلفظ يتخلَّق بحرية خلال السياق الجديد.. وقد تجلَّى هذا التفجير للُّغة السائدة، كما تجلَّى اكتشاف الحلاَّج لمعدن اللغة الصوفية الجديدة، فى النص الوحيد (الكامل) الذى بقى إلى اليوم من مؤلفاته . وهذا النص ، الذى كتبه الحلاج فى سجنه ــ وهرَّبه تلاميذه ــ والذى يعدُّ واحداً من أروع النصوص الصوفية على الإطلاق؛ هو : كتاب الطواسين .

فى كتاب الطواسين(17)، يفجِّر الحلاَّج كل التراكمات اللغوية والدلالية، ليعود إلى أصل اللغة: الحرف.. وإلى التجلى الأتم لها: القرآن !

أراد الحلاج أن يغوص نحو الحروف، التى هى المادة الأولية فى اللغة، فجعل فصول كتابه (طواسين) أى أن كل فصل منها (طاسين) .. مستفيداً فى ذلك من الدلالة الصوتية العميقة، الناشئة من جمع حرفى الطاء والسين؛ وناسجاً فى الوقت ذاته على منوال النص اللغوى الأقدس (القرآن) باعتباره المجلى الأصلى لصياغة الكلام الإلهى صياغةً عربية.. فقد بدأت بعض سور القرآن بذكر الحروف، ومن بينها الطاء والسين، اللذين بدأ بهما الحلاج .

ثم يأتى الحلاج بما يجلو الحرف، وذلك عن طريق الإضافة ليكشف عن مفهومٍ صوفى، يساوق الجمع اللغوى بين لفظين.. هذا المفهوم الصوفى هو باختصار: إن الحقيقة لاتدرك إلا من حيث النسب والإضافات، فلا توجد حقيقة إلا من حيث نسبتها وإضافتها. بعبارة أخرى : لن تصير حقائق الوجود قائمة بالفعل، إلا بعد إضافة هذا الوجود لله .

وإضافات الحلاج للطاء والسين، تكشف عن مستوى آخر من مستويات اللغة الصوفية عنده، وهو مستوى الترميز .. فقد أراد الحلاج أن يبين للصوفية أنه لايمكن التحدث عن حقائق الطريق إلا رمزاً. فأضاف للحروف رموزاً، بحيث صارت فصول كتابه كالآتى: طاسين السراج، طاسين النقطة، طاسين الدائرة .. إلخ، والسراج هنا هو محمد r النبى الذى اقتبس كل الأنبياء نورهم من نوره القديم الذى يتلالأ منذ كان آدم بين الطين والماء . أما النقطة والدائرة ، فهما من الاصطلاحات التى سوف تستقر فى اللغة الصوفية، حتى يأتى ابن عربى - فى الفتوحات المكيــة- فيجوس فى مفاوزهما، ويكشف عن دلالاتهما الخاصة بالجدل المعرفى (الابستمولوجى) الكاشف عن العلاقة الوجودية (الانطولوجية) بين الله والإنسان والإنسان الكامل .

ومن الحروف، تتألف الأسماء التى هى الظهور الخاص لحقائق الأشياء ..كُلٌّ على حدة. ولذلك، فحين أراد الله تعالى أن يتميَّز آدم، علَّمه الأسماء كلها، ثم أظهره على الملائكة، إلى آخر ما ورد فى الآيات القرآنية .. ولذا، واصل الحلاَّج غوصه، فى محاولةٍ لكشف حقيقة الأسماء، بوصفها مركبة من حروف. وضرب لذلك أمثلة فى سياق كلامه، منها قوله فى (طاسين الأزل والالتباس) ما نصُّه: اشتقَّ اسم إبليس من رسمه ( يقصد : لأنه التبس عليه الأمر فى الأزل) فغيِّر عزازيل، العين لعلق همته (يقصد : لأنه تعلَّق بالله على التجريد فلم يسجد لغيره) والزاى لازدياد الزيادة فى زيادته (يقصد : لأنه أزاد على كونه طاووس الملائكة، كونه الوحيد الذى لم يسجد لغير الله) والألف إزادة فى أُلفته ، والزاى الثانية لزهده فى رتبته، والياء حين يهوى إلى سهيقته، واللام لمجادلته فى بليَّته، قال له : ألا تسجد يا أيها المهين؟ قال : محب ، والمحب مهين، إنك تقول مهين، وأنا قرأت فى كتاب مبين، ما يجر علىَّ ياذا القوة المتين ، كيف أذل له وقد خلقتنى من نار وخلقته من طين..

ثم يقول الحلاَّج : يا أخى ، سُمِىَ عزازيل، لأنه عُزِلَ، وكان معزولاً فى ولايته؛ مارجع من بدايته إلى نهايته، لأنه ماخرج عن نهايته.. والمقصود بالنهاية هنا، إدراك ابليس - وهو أعرف العارفين بالله- أن الأمر الإلهى له كان ابتلاءً،وأن المعصية مقدرةً عليه فى الأزل، وأنه لن يخرج عن دائرة المشيئة الإلهية التى اقتضت كل ما جرى!

* * *

وعلى هذا النحو، كان سَعْى الحلاج إلى الرجوع لبكارة اللغة ومادتها الأولى (الحروف) وإلى دلالات المفرد المميز لحقيقة الشئ (الاسم) ليدفع بذلك باباً عظيماً، سوف يُعرف فى التراث العربى بعلم الحروف والأسماء .. وهو علم سوف يستهوى الصوفية بعد الحلاج، فيحاولون الغوص وراء : سر الظرف المودع فى الحرف (وهو عنوان لأحد كتب عبد الكريم الجيلى، المتوفى 826 هجرية)

وبعد ... لقد كانت اللحظة الحاسمة التى قُتل فيها الحلاج، كفيلةً بتغليف التصوف من بعده بجدار الصمت . لكن الرجل فتح أمام اللاحقين عليه باب اللغة الجديدة، التى سوف تتجلى عند النفرى وابن عربى والجيلى، وغيرهم من الصوفية.. ويمكن للباحثين فى التصوف، تبيان ملامح هذه اللغة الجديدة، من خلال استعراض المزيد من الخصائص اللغوية فى كتاب الطواسين(18)، الذى يُعدُّ علامةً مهمّة على الطريق الطويل الذى قطعته اللغة الصوفية عبر مراحل تطورها.


(1) السراج الطوسى: اللمع فى التصوف ، تحقيق د. عبد الحليم محمود وطه عبد الباقى سرور (دار الكتب الحديثة - مكتبة المثنى 1960) ص 468.

(2) د. عبد الرحمن بدوى : شطحات الصوفية( وكالة المطبوعات - الكويت، الطعبة الثانية 1976) ص 26.

(3) الشطح فى اللغة، يعنى : الذهاب إلى بعيد !

(4) ماسينيون : مادة الحلاج بدائرة المعارف الإسلامية 8/17 .

(5) انظر ترجمته فى :

الفهرست لابن النديم 1/190، التنبيه والإشراف للمسعودى ص 387، وفيات الأعيان لابن فلكان 1/183، مرآة الجنان لليافعى 2/253، البداية والنهاية لابن كثير 11/132، المختصر فى أخبار البشر لأبى الفداء 2/75، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى 8/112، روضات الجنات للخوانسارى ص 226، لسان الميزان لابن حجر 2/314، شذرات الذهب لابن العماد 2/253، معجم المؤلفين لكحالة 1/645.

(6) انظر :

ابن باكويه : أخبار الحلاج (نشرة ماسينيون وكراوس ، باريس 1936) ص 43 .

الـذهبــــى : سير أعلام النبلاء (مؤسسة الرسالة ، بيروت 1983) ، 14/ 328 .

(7) هذا الكتاب غير معروف منذ زمن طويل .

(8) انظر : سير أعلام النبلاء 14/341 ــ نشوار المحاضرة 6/87 ــ تاريخ بغداد 8/138.

(9) الحلاج ، ص 11.

(10) وردت الأبيات فى : ديوان الحلاج ص 117 ــ تاريخ بغداد 8/117 ــ سير أعلام النبلاء 14/327 ــ البداية والنهاية 11/134 .

(11) ديوان الحلاج، ص 96 ــ أخبار الحلاج، ص 113 ــ طبقات الصوفية ، للسُّلمى ص74 ــ سير أعلام النبلاء 14/ 326 .

(12) ديوان الحلاج ، ص 82 - تاريخ بغداد 8/ 115 .

(13) أخبار الحلاج ، ص 47 .

(14) المرجع السابق ، ص 31.

(15) سير أعلام النبلاء ، 14/ 316.

(16) المرجع السابق ، ص 723 .

(17) راجع قول الحلاج فى اليوم التى صُلب فيه: هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلى تعصباً لدينك وتقرباً إليك ، فاغفر لهم ..

(18) هو كتاب صغير الحجم، قام ماسينيون بنشره فى باريس سنة 1913ميلادية، وقد اعتمد على هذه النشرة معظم الذين كتبوا عن الحلاج بعد ماسينيون .. ويعد ماكتبه ماسينيون عن الحلاج خاصة كتابه (عذاب الحلاج) بالفرنسية، من أروع البحوث فى هذا الباب .


02‏/08‏/2008

الجابري وفهم القرآن الحكيم

شمس الدين الكيلاني

 الجابري وفهم القرآن الحكيم

مهَّد محمد عابد الجابري لكتابه الجديد «فهم القرآن الحكيم» (صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت 2008)، بمؤلفه السابق «مدخل إلى القرآن» الذي صاغ فيه ممهداته الفكرية والمنهجية، وترك في حينه أصداء واسعة، ثم اتجه لإعادة تفسير القرآن، في كتابه الجديد، على ضوء اقتناعه بأن القرآن يخاطب أهل كل زمان ومكان، وبالتالي يخاطب أهل العصر، وقد اتبع، في ذلك، المنهج ذاته الذي اتبعه في كتابه السابق، مبيناً أن (فهم القرآن) لا يتعلق بمجرد النظر في (النص)، وفي التفسيرات السابقة، بل يجب أن يتم (الفصل) عن تلك التفسيرات، بربطها بزمانها ومكانها، وبحمولاتهما الأيديولوجية، كي يتم (الوصل) بين النص وعصرنا.

فاستعاد الجابري كتب التفسير السابقة، ليستنتج بأن علينا أن نتجاوز مجرد جرد موضوعات القرآن إلى فهم (الكتاب) ككل، وراعى في تفسير معاني القرآن إعادة ترتيب النزول، انطلاقاً من الفصل بين المكي والمديني من السور، ومراعاة معطيات كتب التفسير، وعلوم القرآن والحديث والسياق، ومبدأ: إن القرآن يشرح بعضه بعضاً. استعان الجابري بما يسميه علامات الإفهام، لتمكين القارئ من مرافقة النص القرآني، وذلك بوضع معنى اللفظ أو العبارة بين هلالين في النص، وبوّب التفاسير تبعاً لطبيعة الموضوع: سور متعلقة بالإلهيات، وأخرى حول الجنة والجحيم. إلخ. كما وزع تفسيره لهذه الأبواب، بتقديم عرض لأهم المرويات التي وردت حول السورة، كأسباب النزول، أو ما يساعد على الفهم، ومعرفة تاريخ النزول وظروف النزول، مع التحقق من (سلاسل السند). ومن ذكر المصدر، وبوضع الشروح الطويلة في الهامش، ويختتم ذلك بتعليق يستعيد فيه أهم مسائل الشرح. وقد راعى في تسلسل السور ترتيب النزول، فاتضح له أن هذا التسلسل يستبطن تسلسلاً منطقياً بين موضوعاتٍ تتمحور عليها مجموعة السور المتسلسلة، الشيء الذي يبين أن مسار التنزيل مساوق لمسيرة الدعوة. وهكذا ميّز بين ست مراحل في مسار التنزيل. ثلاثة منها خلال الفترة المكية: المرحلة الأولى، في النبوة والربوبية والألوهية، والثانية، في البعث والجزاء ومشاهد القيامة، والثالثة، في إبطال الشرك وتسفيه عبادة الأصنام، وخصص لها القسم الأول، وهو الكتاب الذي بين أيدينا. ثم يعدنا بأن القسم الثاني، سيضم المراحل الرابعة والخامسة والسادسة، وتشمل السور المتبقية من القرآن المكي. أما الكتاب الثالث (القسم الثالث)، فسيشمل على تفسير القرآن المدني. ومداره الأحكام والتشريع للدولة.

وعدد سور (المرحلة الأولى) وهي سبع وعشرون سورة، يكاد أن ينحصر مضمونها بالحديث إلى النبي أو عنه، أو بالرد على خصومه، يرسم فيها الخطاب القرآني نواة العقيدة، تبعاً لسنة القرآن بالتدرج. وتمركزت حول ثلاثة محاور: الرب، الله، الرحمن. فعمل الجابري على تتبع المعنى اللغوي لـ: الرب، الله، الرحيم، وجذورها في اللغات السامية، واستخداماتها في المرحلة (المكية)، فإذا كان لفظ (الرب) من أسماء الأفعال، يعود إلى الفعل التربوي، وينصرف معناه في القرآن إلى ما يفيد الرعاية، والتدبير والتنبيه، فإن لفظ (الله) من أسماء الذات، يخص المعبود الحق وحسب. ويلاحظ أن لفظ (الرحمن) لم يكن مستخدماً في قاموس عرب الجاهلية الديني، والرحمن اسم للذات لا يُطلق سوى على الله تعالى، بينما (الرحيم) اسم فعل يطلق على غيره أيضاً، أما لفظ (الرحمة) فيدل في اللغة على الرقة والتعطّف. وتجاوز الجابري التفسير اللغوي لهذه الأسماء، إلى تحليل مقارن يستحضر فيه معانيها في الديانات الإبراهيمية. تتميز (المرحلة الثانية) بتركيزها على موضوع (المعاد)، تبدأ بسورة (القارعة)، وتنتهي بسورة (القمر). فيكشف الجابري عما تتميز به تصورات القرآن عن تصورات اليهودية والمسيحية، وما يصلها ويفصلها عنهما، لينتقل إلى تتبع أصداء هذه التصورات عند الفلاسفة المسلمين. الذين كانت نظرتهم إلى المعاد امتداداً لنظريتهم في المعرفة القائمة على فكرة الفيض، فيض العقل الأول. يتلقى الفيلسوف بعقله حقائق العقل الفعّال، بينما يتلقاها النبي في مخيلته، وباكتمال المعرفة العقلية تستكمل نفس الفيلسوف كمالها، لاتصالها بالعقل الفعّال، وتصبح من جملة الجواهر المفارقة خالدة، وتغدو هذه السعادة هي جنة الفيلسوف.

ركّزت في المرحلة الثالثة على التوحيد، تضم خمسة عشر سورة طويلة، ذات عبارات جدلية. تخلل تفسير الجابري لها، تعليقات واسعة عن الجن والشياطين في اللغة، وأخبارها في المؤلفات العربية، وبسط تعليقاً واسعاً حول مفهوم التوحيد في القرآن، ختمه بعرض موقف الإسلام من التصوير، والتباس علاقته بالأصنام، فيربط تحريم التصوير بما إذا كان القصد منه هو التقديس. يبدو أن ما قدمه الجابري هنا، نوع من المغامرة العقلية الخصبة المحسوبة، التي اعتاد عليها منذ كتابه نقد العقل العربي، ومنذ ذلك الحين دشن طريقة جديدة في التعامل مع التراث، وهو في مشروعه الجديد لتفسير القرآن يرسي علاقة مع (النص المقدس) من الصعب تجاهلها، وتجاهل تأثيرها، حيث انطلق من منهجيات معاصرة لتقريب النص المقدس من مداركنا المنغرسة في القرن والعشرين.

28‏/07‏/2008

مدخل إلى دراسة اللغة الإيمائية في المسرح

مدخل إلى دراسة

اللغة الإيمائية في المسرح



يمثل الإيماء الوسيلة التواصلية الأكثر ثراء بعد اللسان في كل الحضارات. ويذهب بعض دارسي الإيماء إلى أنه بالإمكان توليد ما يناهز سبعمائة ألف علامة باليدين والذراعين. وفي المسرح يستطيع ممثل الدراما الهندية أن ينتج بيديه ما يقارب ثمانمائة علامة، أي ما يقارب، كميا، المفردات الأساسية لتعلم اللغة الفرنسية أوالأنجليزية (1). ونذكر في هذا السياق اللغة الإيمائية التي يستعملها الصم-البكم في الحياة اليومية ولأهداف عملية. كل هذا يشهد على أهمية الإيماء سواء في الحياة اليومية أو في المسرح.

والواقع أن دراسة الإيماء في المسرح -وفي الحياةاليومية أيضا- يطرح عدة صعوبات نذكر منها: طبيعة الشروط الإبستمولوجية التي يمكن أن تسمح بقيام سيميولوجيا للإيماء، موقع هذه السميولوجيا من النموذج اللساني، وحداتها الدنيا، مستويات تحليلها، المعايير والمبادئ التي يمكن أن نصنف على أساسها الإيماءات.

I - تصنيف العلامة الإيمائية

تدخل الإيماءة في المسرح ضمن العلامات الأيقونية، وهي تنبني على التشابه مع مرجعها. ففي معظم الحالات في المسرح، نجد أن الممثل يحيل بإيماءاته عن طريق المشابهة مع النموذج المحاكى، أي أنه يحاكي بواسطة الإيماء الحركات والافعال الواقعية. فعن طريق الإيماء يتعرف المتفرج على الشخصية، ويندمج فيها. غير أن هذا النمط من الإيماء ليس إلا حالة من الحالات. فالإيماءة يمكن أن تحيل على طريق سنن عرفي مشترك بين الممثل والجمهور، وفي هذه الحالة، فإن الإيماءة لا تكون محاكاة مباشرة لواقع موجود سلفا، وإنما تكون عبارة عن بناء أونموذج مجرد يسمح بالانتقال إلى المرجع المقصود كما هو الشأن بالنسبة لبعض أشكال المسرح الشرقي، حيث تكون معرفة السنن الإيمائي ضرورية لإدراك العرض ( المسرح الهندي الكاطاكالي مثلا). ويوظف المسرح نوعا آخر من الإيماءات، هي إيماءت لا تحيل إلا على ذاتها، إذ يستحيل التعرف على مدلولها.إنها من نوع الإيماءات المستعملة في الرقص.

ويمكن أن نقيم تصنيفا آخر للعلامات الإيمائية انطلاقا من علاقتها بالكلام أثناء التواصل. وقد تبنى هذا المعيار لارتموس P.Larthomas، إذ ميز بين ثلاثة أنواع من إلايماء: إيماءات التمديد ( prolongement)، إيماءات التعويض (remplacement) ثم الايماءات المصاحبة (d'accompagnement). ففي الحالة الأولى تكمل الإيماءة ملفوظا لغويا، وفي الحالة الثانية تغيب اللغة نهائيا لتترك المجال للإيماءة وحدها، وفي الحالةالثالثة تحضران معا جنبا إلى جنب (2).أما گريماص فإنه يميز بين ضربين من الإيماء: الأول للتواصل المباشر والثاني للنقل transposition. وينقسم الأول، الذي يتميز بالترابط بين الدال والمدلول، حسب قدرته التركيبية على إنشاء أوتحوير الملفوظات، إلى /إيماء إسنادي (attributive)، وإيماء صوغي. أما النوع الثاني، الذي لا يصبح تواصليا إلا بواسطة نقل الدوال فينقسم بدوره، استنادا إلي حجم الوحدات المنقولة (علامات أو ملفوظات) إلى إيماء محاكي و إيماء لعبي (3).

أ- الإيماء الإسنادي . يمكن النظرإلى الجسد الإنساني كتعبير(دال) عن محتوى (مدلول) داخلي (مختلف الانفعالات والمشاعر). وما دام كذلك، فيمكن اعتبار حركته كشيء مسؤول عن خلق انزياحات وضعية (positionnelle) تتناسب مع انزياحات علي مستوى المحتوى (أي أننا إزاء دلالة)(4). هكذا يضع گريماص اليد على الطابع السميائي للعلامة الإيمائية و ذلك بالربط بين مقولة تنتمي إلى مستوى التعبير ومقولة معنمية من مستوى المضمون، والعلاقة بينهما تخضع لمبدأي الاعتباطية والتعليل في الآن نفسه. فليس هناك ما يفرض وجود علاقة بين عينين مفتوحتين /مغلقتين وبين المكر/ البراءة. إلا أن هذه العلاقة قد تصبح ضرورية ومبررة في سياق ثقافي معين. ويلاحظ گريماص أن هذا النوع من الملفوظات الإيمائية لا يمكن أن يخبرنا إلا عن الذات المتلفظة، أي أنه لا يتناول إلا جانب الكينونة ولا يمكن أن يتجاوزها إلى الفعل. ولهذا أطلق عليه إسم الإيماء الإسنادي، ويدخل ضمنه الإيماء الإشاري.(4)

ب- الإيماء الصوغي. وهو ذلك الإيماء الذي يبرمج التواصل ويأخذ شكل ملفوظات صوغية (القبول، الرفض، الشك، اليقين...)

ج- الإيماء المحاكي. ويعني به گريماص نوعا معينا من التمظهرالإيمائي للمضمون بهدف إرسال تواصلي إلى المتفرج/المرسل اليه (5). ويتمم گريماص هذا التعريف بالملاحظات التالية:

- إن المحتويات، موضوع التواصل، متسارية من حيث الحجم مع الوحدات المعجمية، ويمكن أن تكون عبارة عن أسماء (مسدس) أو أفعال (رش).

- إن التسنين الإيمائي للمحتويات يتكفل به مستوي التعبير، فالنقل لا يشمل العلامة بأكملها وإنما دالها فقط.

- إن النقل الإيمائي يفترض وجود سيميائيات سابقة عنه، سواء أكانت طبيعية أوكانت تنتمي إلى ممارسة إيمائية غير تواصلية.

- إن النقل يرمي إلى التعرف على العلامة انطلاقا من مدلولها بواسطة الجسد الإنساني. هذا الأخيرالذي يشكل ذات التلفظ لا يمكن أن ينتج سوى الملفوظات الإسنادية، ولا يستطيع أن يركب هذه الملفوظات، لأنه لا يمكن أن يكون العلامة والتركيب في نفس الآن . وهذا، في نظر گريماص، هو ما يفسر>غياب استقلال الإيماء المحاكي الذي لا نجده إلا مصاحبا للغة، أو مدمجا في أسنن تواصلية اصطناعية بطريقة متقطعة (سنن الرهبان الصامتين، أو سنن البانتوميم )<(6).

د- الإيماء اللعبي. إذا كانت الأنواع السالفة من الإيماء لا تتعدى وحدات من مستوى السمات المميزة، أومن مستوى الفونيمات أوالوحدات المعجمية، فإن هذا النوع يرقى إلى مستوى الخطاب. وللكشف عن مختلف أنماطه يستعين گريماص بالمقولة التالية: مقدس/لعبي/جمالي. ويخرج بتصنيف ثلاثي:-إيماء ذو طابع مقدس (الطقوس الأسطورية ولا تهدف إلى التواصل)، -إيماء لعبي (الرقص الفولكلوري، وقد يهدف إلى التواصل وقد لا يهدف). ومن بين المشاكل التي يطرحها هذا النوع الأخير هو خلو ملفوظاته في الأغلب من المعنى. فالباليه مثلا، وإن كان يتضمن بعض المقاطع الإيمائية، فإننا لا يمكن أن ننسب معنى محددا لكل وحداته (7).إن هذا النموذج العام الذي يقدمه گريماص، وإن كان يتحدث عن الإيماءة بصفة عامة ومجردة، فإنه مع ذلك قد أسعف الدارس في التعرف على أنواع الإيماءات المستعملة في المسرح.

II - حول تقطيع المتواصل الإيمائي في المسرح

إن ما يميز العلامة الإيمائية هوطابعها الحركي الديناميكي. فهي ترد في العرض عبارة عن متواصل (continum)، ولعل هذا ما دفع بعض الدارسين إلى تصنيفها ضمن العلامات المتحركة(8).والواقع أن تقطيع هذا المتواصل الإيمائي يصادف صعوبات خطيرة، ونتائجه ليست مرضية و مقنعة تماما. فهو يتخذ كمبدأ للتقطيع مستوى المدلول، في حين أن التقطيع، إذا أراد لنفسه أن يستجيب للشروط العلمية، يجب أن يتم علي مستوى الدال. إن تحديد المقاطع الإيمائية لا يمكن أن يسمح، علي الأقل في الفترة الراهنة، بالتعرف علي وحدات إيمائية محدودة العدد، ويمكن أن تدخل في تكوين كل العلامات الممكنة، كما هو الأمر بالنسبة للفونيمات في اللغة الطبيعية. لهذا فإن النظريات التي انصرفت إلى تحديد الوحدات الدنيا للإيماء، وإبراز قواعد تركيبها داخل الإيماءة، قد انتهت إلى الفشل(9). وحتى إذا كان ذلك ممكنا في بعض الممارسات الإيمائية المسننة (لغة الصم البكم، أو بعض أشكال الدراما الشرقية)، فإنه غيرممكن بالنسبة للمسرح الذي تتسم فيه الإيماءات والأوضاع الجسدية، شأنها في ذلك شأن الحياة اليومية، بالتنوع والتعدد والاختلاف. غير أن هذه الصعوبة يجب ألا تصرفنا عن البحث في هذه "الجملة الإيمائية" التي تمتد طوال العرض، عن محاولة تفكيكها وتعيين وحداتها، لأن ذلك سيساعد على إدراك كيفية اشتغال وتركيب الإيماءات داخل الفرجة.

إن دراسة الإيماءة في المسرح تواجه نفس المسألة التي واجهت كوكلين في دراسة الإيماءة، يقول:>يبدو للوهلة الأولى أن دال ما ندعوه عادة بالإيماءة يقدم جانبا تركيبيا، و تكمن المشكلة في معرفة كيف يتفكك هذا المركب الواقع في زمان وفي مكان، هل يتعلق الأمر بمركب من العناصر "الدالة" لملفوظ معين؟ أم بمركب من العناصرالمعقدة، ولكنها مجردة من المعنى<(10). إن العرض المسرحي يواجه نفس التساؤلات.

إن الاعتماد على علم التواصل الحركي ( kinésique ) * لا يمكن أن يحقق إلا نتائج محدودةو أولية، ذلك أن تطبيق معطيات هذا العلم في المسرح يبدو صعبا، وذلك لعدة أسباب لعل أهمها هو أن التواصل الحركي يدرس التفاعلات الإنسانية بين الأفراد داخل سياق اجتماعي حقيقي، في حين أن المسرح يقدم شخصيات متخيلة تتواصل في سياق متخيل ومحكوم بخطاب سابق هو الإخراج. على أن هذا لا يعني استحالة الاستفادة من بعض تحديدات ونتائج هذ العلم .فبإمكانه أن يقدم للدارس مساعدات مهمة، يمكن إجمال بعضها فيما يلي:

- إن هذا العلم قد اثبت إمكانية عزل الإيماءات كما تعزل الكلمات المكونة لجملة مثلا.

- عدم الفصل ، في التواصل، بين الكلام، الذي يعد دعامة المعنى، والسلوكات غير اللفظية التي تؤثر علي المعنى اللغوي( 11) .

إن علم التواصل الحركي ينطلق من المماثلة بين اللغة الإيمائية واللغة الطبيعية، وبذلك فإنه يميز، داخل الموضوع الذي يشتغل عليه ( الإيماء)، بين عدة مستويات. فـ Birdwintell مثلا يري أن الوحدة الدنيا للغة الطبيعية، أي ما يقابل الفونيم في اللغة الطبيعية، هي الحريكة (Kiné)، كهزالحاجبين مثلا. فإذا ما تكررت هذه الحريكة مرتين انتقلنا إلى مستوى أعلى هو "الأحروكة" kinème، وقد استطاع بيروينتل أن يعين من بين الأحاريك خمسين أو ستين أحروكة متعلقة بالنسق الأمريكي ، بما في ذلك، إضافةإلى تعابيرالوجه، ثلاث هزات للرأس: حركتا ميلان جانبيين للرأس، واحدة لشنق الرأس، وواحدة لتنكيس الرأس، وحركات الحاجب والجفون و الأنف والفم والذقن والوجنتين... (مرجع) فإذا ما ائتلفت هذه الأحروكات فيما بينها انتقلنا إلى وحدات أكثر تعقيدا من مستوي أعلى هي "أشكال الحركة" ( kinémorphe ) التي تتراكب بدورها لتسفر عن مركب أشكال الحركة الذي، يمكن في النهاية، أن تكون له علاقة بالكلمات. وإذا ما ارتقينا إلى مستوى أعلى وجدنا "بناءات أشكال الحركة" التي تملك الكثير من خصائص الجملة النحوية اللفظية (12).

إن هذا التصور يسمح بتفكيك الإيماءة، والتعرف داخلها على علامات منفصلة، غير أنه، بالمقابل، يؤدي إلى تدمير وهدم هذه الإيماءة ذاتها والتفريط في بعديها الجمالي والفني .

III - حول دلالة الإيماءات في العرض المسرحي

يقع الإيماء في المسرح في ملتقى الطرق بين التخييل والإنجاز. ولعل هذا هو ما يجعل الشيء المراد التعبير عنه يتحكم في نوعية الإيماء الذي سيلجأ إليه الممثل.

- فهو يلجأ إلي إبراز ملامح الشخصية ككائن متفرد جسديا أو سيكولوجيا، فيميل بذلك إلى انتقاء بعض الأوضاع الجسدية، وتكرار إيماءات معينة. إن هذا النوع من الإيماء مرتبط "بكينونة الشخصية"-الإيماء الإسنادي حسب گريماص- وبذلك فإنه يتسم بالثبات والاستمرار طيلة العرض.

- قد ينصرف الممثل إلى إبراز الوجه الاجتماعي للشخصية. وهو هنا يوظف إيماءات محاكية تحيل على العمل أوالوظيفة الاجتماعية... ويرتبط هذا النوع من الإيماء، على خلاف الأول بـ"الفعل"، ولذلك فإنه يتسم بالدينامية والحركة. ويجسد التحولات الركحية والوظيفية.

- بإمكان الممثل أن يوظف الإيماء لإبراز انفعالات وعواطفالشخصية (الفرح، الحزن، اليأس).

- إن الوظيفة الأساسية للايماء هي إبراز المقام التلفظي للخطاب (الاطار الزمكاني الذي يدور فيه التخييل في المسرحية، طبيعة العلاقة بين المتلفظين...)، وعلى الرغم من أن الخطاب يتوفر على جهازه الإشاري الخاص ( أنا، الآن، هنا) الذي يجذره في المقام، إلا أنه لا يستطيع الاستغناء عن وظيفة الإيماء الإشارية.

إن هذا النوع من العلامات يقوم على أساس المحاكاة (أي الأساس الأيقوني)، فالعلاقة بين دال العلامة ومدلولها هي المشابهة في أغلب الأحيان. على أن المسرح يوظف صنفا آخر من العلامات الإيمائية، وهي علامات غامضة لا يمكن أت نتفق على دلالة محددة لها، وتطلق عليها آن أوبرسفيلد إسم العلامات "المعتمة" ( signe opaque ) (13).

الهوامش

1) Kowzan,T Littérature et spectacle, Mouton, Paris La Haye, p. 185

2) Larthomas ,P. Le langage dramatique : sa nature, ses procédés, P U F , Paris, 1980 , pp 88- 92

3)Greimas A J : Du sens, Seuil Paris 1970 p 81

4) نفسه ص ص 71-72

5)نفسه ص 75

6) نفسه ص 76

7) نفسه ص ص 80-81

8) Pavis P , Voix et images de la scène , P U L, Lille 1982 p 99

9) نفسه ص 100

10) نفسه ص 102

11) نفسه ص 103

12) Kristéva : Recherches pour une sémanalyse , Seuil Paris 1969 pp 46-49 .

انظر كذلك كير ايلام ، سمياء المسرح والدراما، ت . رئيف كرم المركز الثقافي، بيروت ، 1992 ص ص 110-111

13) Ubersfeld Anne, Lire le théâtre, Ed Sociales Paris 1982 p 208

* علم يدرس التواصل بواسطة الايماء وحركات الوجه. رائده هو عالم الانثروبولوجيا الامريكي راي بيرد ويستيل . وقد انطلق هذا العالم من فرضية مفادها أن التعبير الجسدي يخضع لنسق مسنن يكتسبه الفرد ويختلف حسب الثقافات .

02‏/07‏/2008

بحر بلا ساحل : ابن عربي والكتاب والشَّرْع

بحر بلا ساحل : ابن عربي والكتاب والشَّرْع

ميشيل شودكيفتش

كان القاضي الفقيه ابن حجر الحيتمي، الذي عاش في القرن السادس عشر، على كونه من المدافعين الأشداء عن ابن عربي، يقرُّ ببعض ما يأخذه منتقدوه عليه: فكتاباته، على حدِّ قوله، "لدقة معانيها، ولطائف إشاراتها، وإبهام مبناها"، هي للعوام "سمٌّ ناقع"[1]. إذ إن الاهتمام المشروع بالذود عن إيمان الجهَّال يقود بعض فقهاء الشريعة إلى أن تأخذهم العزَّة بالإثم، على ما يخلص إليه، لكنه يبقى من الصحيح أن ابن عربي ليس ممَّن يصح أن تتداوله سائرُ الأيدي.

وعلى كلِّ حال، أكدتْ شهاداتٌ أحدث أن مؤلَّفات الشيخ الأكبر لا تبوح بأسرارها بسهولة. فقبل الحرب العالمية الأخيرة ببضع سنين، اقترح نيكلسون على أحد طلاَّبه المصريين قراءة مؤلَّفات ابن عربي. وقد اعترف هذا الطالب – وهو أبو العلا عفيفي، الذي ندين له، في جملة كتب أخرى، بكتاب فلسفة محيي الدين بن عربي الصوفية[2] – لاحقًا[3] أنه، بعد عدة قراءات للـفصوص ولشرح القاشاني عليه، لم يفتح الله عليه بشيء! وقد كتب يقول: "فالكتاب عربي مبين، وكلُّ لفظ فيه، إذا أخذته بمفرده، مفهوم المعنى، ولكن المعنى الإجمالي لكلِّ جملة، أو لكثير من الجمل، ألغاز وأحاجٍ لا تزداد مع الشرح إلا تعقيدًا وإمعانًا في الغموض. ذهبت إلى الأستاذ [نيكلسون] أشكوه حالي، وأذكِّره بأن هذه أول مرة استعصى فيها عليَّ فهمُ كتاب باللغة العربية إلى هذا الحد." ولم تكن حيرة المستشرقين المهتمين بالشيخ الأكبر لَتقلُّ عن ذلك: فكليمان هُوار لا يخفي حرجه من أثر "تهويمات مخيِّلته الفوضوية"[4]. وكان آربري يرثي لـ"تشويش عالم ابن عربي الذهني" و "اصطلاحاته غير المتجانسة وغير المتسقة"[5]. وقد صرَّح روم لانداو بأن "من شأن ملابساته وتناقضاته أن تقودنا إلى حافة اليأس"، محذِّرًا كلَّ من يريد التوفُّر على كتبه بأنْ وحده إعجاب عميق جدًّا يمكن أن يشجعه على "مجابهة تلك المصاعب التي لا تُحصى والتي ارتأى ابن عربي أن من الضروري إيجادها"[6].

إن من شأن تعقيد مذهبٍ يحيط في تأليف مذهل بميادين العلوم النقلية كافة، من الاجتهاد الفقهي وصولاً إلى الإلهيات، والصياغات الملتبسة والملغَّزة التي كثيرًا ما يُلبِسها إياها الشيخُ الأكبر، ناهيكم أخيرًا عن ضخامة مؤلَّفات تشتمل على عشرات آلاف الصفحات، أن يثبط همة الساعي إلى نشر التعاليم الأكبرية. لكن ليت صيت هذه المصنفات الهائلة يقتصر على رميها بالغموض! فهي كذلك، في الإسلام، مرارًا ما تُرمى بالزندقة، وذلك منذ أكثر من سبعة قرون؛ وهذه السِّجالات تتواصل في يوم الناس هذا بنفس الحدة التي كانت عليها أيام ابن تيمية. وحتى عند مشايخ الصوفية، فإن التنبيهات تتواتر. والمريدون في ابتداء أمرهم غالبًا ما يحذَّرون من قراءة الفصوص والفتوحات، وذلك لأسباب نستشف طبيعتها من ملاحظات ابن حجر. يبدو، إذن، وكأن الشروط كلَّها اجتمعت لحَصْر معرفة أفكار ابن عربي في أوساط ضيقة من المتعلِّمين الذين لا تُرهِبهم لا صعوبة التصانيف ولا إدانات الفقهاء؛ لكن الأمر ليس على هذا النحو.

لاحظ العديد من الباحثين اتساع المدى الجغرافي – من المغرب إلى الشرق الأقصى – لتأثير ابن عربي. لكن الأهم من ذلك هو قياس عمق هذا التأثير وفهمه: إن سمة التعليم الأكبري لم تنطبع في الصوفية "العقلية" وحسب؛ إذ يمكن تحسُّسها أيضًا وسط نطاق من الطُّرُق التي تتداخل فيها جميع الطبقات الاجتماعية ومختلف المستويات الثقافية. فـ"العارفون" الذين يخصُّهم ابن حجر بقراءة ابن عربي ليسوا دومًا بين أصحاب العلم المعترَف بهم؛ وعلى العكس، فإن "الجهَّال" ممَّن يرون في قراءة الفصوص والفتوحات "سُمًّا زعافًا" مرارًا ما يتجنَّدون في عِداد رجال الدين.

كذلك فإن جاك بيرك، في المؤلَّف الذي خصَّصه للصوفي المغربي اليوسي[7] (توفي في العام 1691)، حيث يصر على الدين الكبير الذي يدين به هذا الأخير لابن عربي[8]، يلفت الانتباه بهذا الصدد إلى الاندماج، في مغرب القرن السابع عشر ذاك، بين "تيارَيْ سِيَر الأولياء الشعبية والنَظَر العالِم". فقد كتب يقول: "كان تصوف ذلك الزمان يجمع بين العلوم النقلية الأكثر تفقهًا، الواردة من الأندلس أو من المشرق، وبين هَبَّة ريفية."[9] وهذه الملاحظات لا تصح على اليوسي ومغاربة عصره وحسب، بل أغلب الظن أنها تستوجب التعميم، كما يشهد على ذلك السريان الواسع لمفاهيم أساسية تعود بأصلها إلى تصانيف الشيخ الأكبر. إن بحثًا مستفيضًا لكيفيات هذا الانتشار وقنواته لَيستدعي تحليل عددٍ لا يُحصى من النصوص، تنتمي إلى مختلف الميادين اللغوية، والقيام بالعديد من التحريات الميدانية. إنما على أساس توثيقي أكثر تواضعًا بكثير، يبدو من الممكن إيضاح بعض جوانب هذه الظاهرة، واقتراح بعض المؤشِّرات لِمَن قد يتوفرون على إظهار بعض العلامات، المكتومة غالبًا، لهذا التشريب الأكبري وعلى توضيح آلياته. وجلي أن هذه المشكلة لا تخص المختصين بابن عربي فقط: فيما يتعدى الاعتبارات التي تهم تاريخ الفكر، فإن المسألة المطروحة هي أيضًا مسألة المسافة الفاصلة بين التصوف "المثقف" والتصوف "الشعبي".

وقد ميَّز الباحثون الذين تتناول مؤلَّفاتهم الشيخ الأكبر وأخلافه العقليين تمييزًا طبيعيَّا دراسةَ الأدب "النبيل" – ذاك الذي تعاطاه كبار مريديه وشارحيه، كالقنوي والجيلي والقاشاني والجامي إلخ. وهذه الدراسة لا يجوز إهمالها من المنظور الذي أشرنا إليه لتوِّنا؛ إذ إن الانتشار الجغرافي لمخطوطات هؤلاء المؤلِّفين، وعدد مؤلَّفاتهم المطبوعة، وتاريخ نشر طبعاتها ومكانه – كل ذلك يقدِّم دلائل هامة على إمكانات ولوج المذهب الأكبري، في هذا الوقت أو ذاك، أو في هذا المكان أو ذاك. لكن من الجوهري أن نأخذ بالحسبان أيضًا المؤلِّفين الأكثر تواضعًا، ذوي الصيت المحلِّي المحض، وحتى كتبًا مجهولة المؤلِّفين أو ممَّن يصعب تحديدهم.

غير أن الحيطة تفرض نفسها على الفور: إن غياب المرجعية البيِّنة الخاصة بابن عربي، وحتى وجود مرجعية سلبية، ليسا ذوَيْ دلالة مسبَّقًا. لذلك، وفيما يتعلق بالنقطة الأولى، فإني لن أذكر حاليًّا غير مثال واحد شديد الإنارة: في الطريقة العلوية (وهي فرع من الطريقة الشاذلية الدرقاوية، أسَّسه الشيخ أحمد بن عليوا المستغانمي، المتوفى في العام 1934)، مازال الفقراء والمريدون – وجلُّهم من العمال الجزائريين المقيمين في أوروبا – يقرؤون تصانيف المؤسِّس ويشرحونها. وبين هذه التصانيف نجد تفسيرًا (جزئيًّا) للقرآن بعنوان البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور: وهذا التفسير قد طُبِعَ أخيرًا في مستغانم، بعد أن تداوله القوم على هيئة نسخ مخطوطة. والشيخ ابن عليوا يفسِّر أولاً الآيات 5-7 من سورة البقرة، فيفسِّرها أولاً على الطريقة النقلية في عرض من خمس نقاط – ثم يضيف لهذا التفسير ما يسميه "إشارة"[10]، يبسط فيها الشيخ تأويلاً كان ابن تيمية، في جملة آخرين، يستنكره عند ابن عربي بوصفه من صريح الكفر، مستعيرًا الحجة فعلاً، وعلى نحو شبه حرفي، من الباب الخامس من الفتوحات[11] الذي سنتحدث عنه أدناه. بيد أن الشيخ أحمد بن عليوا لا يذكر ابن عربي البتة، في حين أنه يُتفَّق له في تفسيره أن يشير بالاسم إلى مؤلِّفين آخرين. يجوز لنا هاهنا أن نفسر هذا الصمت بحدَّة السِّجالات التي كانت دائرة آنذاك بينه وبين ممثِّلي حركة الإصلاحيين، وخاصة منهم الشيخ ابن باديس. من هنا فإن إضافة إحالة إلى الشيخ الأكبر إلى نصٍّ فاضح في حدِّ ذاته قد تكون بمثابة استفزاز عديم الجدوى. مهما يكن من أمر، فإن هذا التفسير، شأنه شأن غالبية مؤلَّفات الشيخ ابن عليوا، يتضمن استعمالاتٍ أخرى لمفاهيم أكبرية حصرًا، وغير مشار إليها بوصفها كذلك، هي من الكثرة بحيث لا مجال لإيرادها هنا.

إذا كان بالإمكان، عن عمد أو عن غير تعمُّد، تقديم مباحث من المذهب الأكبري من دون أن يُذكَر مصدرها – ولسوف نقع على حالات أخرى من هذا النوع – فقد يصادف أيضًا أن نلحظ، في النصِّ نفسه (وحتى في عبارة المخاطَب نفسه)، وفي الوقت نفسه، شجبًا لابن عربي يَرِدُ إلى جانب أفكار وعبارات أكبرية حصرًا. وهذا الالتباس، سواء كانت تُمليه مبرِّرات مناسبة روحية أو حذر سياسي، كان في واقع الأمر موقفًا شديد الشيوع وقديمًا للغاية – إذا صدَّقنا نكتة تعود روايتُها، على ما يبدو، إلى الفيروزبادي،[12] فإن القاضي الشافعي الشهير عز الدين بن عبد السلام لزم الصمت حين وُصِفَ الشيخُ الأكبر أمامه بالزنديق – وهو مصطلح كان يوصَم به المانويون عادة، إنما طبَّقه مؤرِّخو البدع على كلِّ من يُشتبَه في كونهم من المفكِّرين الأحرار أو الملاحدة – إنما حين سأله، مساء ذلك اليوم، أحد مريديه ممَّن شهدوا الحادثة، أجابه بأن ابن عربي كان قطب وقته، أي رئيس مراتب أولياء زمانه.

في بعض الطُّرُق – وتخطر ببالنا حصرًا الطريقة الخلوتية وفروعها المختلفة – فإن نفوذ الشيخ الأكبر أمر مقرَّر. لكنْ في الكثير من الطرق الأخرى، فالأشيع أن العديد من المشايخ، ممَّن أبدوا تحفظات على ابن عربي، ينتقدون مواقفه ويمنعون مريديهم من قراءة كتبه. وهذا الموقف قد يكون مجرد احتراز خطابي للتحايل على رقابة الفقهاء. أما في الأغلب الأعم، فإن هذه التحذيرات والتحريمات إنما دافعها الحرص على تجنب سريان أفكار، على كونها صحيحة من حيث الجوهر، إلا أنه قد يُسيء فهمَها مريدون ليسوا مؤهَّلين روحيًّا بما يكفي، فتعرِّض صحة إيمانهم للخطر. من هذا المنظور، على ما يبدو لنا، ينبغي فهم موقف زرُّوق في كتابه قواعد التصوف[13]، ومواقف غيره من مشايخ الشاذلية. وهذا الحذر نفسه يقود شيخ كالشعراني إلى توصية المريد بأن يعرف تأويل تلك الإشارة اللطيفة التي يلمِّح إليه بها شيخُه، آمرًا إياه بقطع قراءته بصوت مرتفع على الفور إذا اتفق لجُهَّال أن يحضروا[14]: هو مجرد تذكير، للمناسبة، بقاعدة عامة التطبيق جدًّا، كما يتبيَّن لنا، إنْ من قراءة النصوص القديمة أو من مراقبة مسلك شيوخ اليوم. ففي فقرة من كتابه رَشَحَات عين الحياة – وهو واحد من الكتب الأساسية في تاريخ النقشبندية حتى أوائل القرن السادس عشر – يروي المؤلِّف بأن الشيخ عبيد الله أحرار كان يشرح له الفصوص عندما جاءه زوار؛ فصمت الشيخ من فوره وأخفى الكتاب. وعبيد الله أحرار نفسه كثيرًا ما كان يقبس من ابن عربي؛ وفي لقائه الشهير بالجامي في طشقند في العام 1469، فسَّر له نقطة من المذهب لم يستطع أن يدركها في الفتوحات المكِّية[15]. وقد كانت التحفظات أو الانتقادات المستهدِفة لابن عربي التي نصادفها بقلم كتَّاب نقشبنديين من عصور مختلفة تترافق في الواقع باتِّكالٍ أقصى على تعاليمه، كما بيَّن ذلك فريدمان أحسن بيان بخصوص أحمد السرهندي. ومؤلَّفات ر. س. أوفاهي تشدِّد بالمثل عند وجه آخر كبير من وجهاء الصوفية "الإصلاحية" – هو أحمد بن إدريس، الذي أسَّس مريدوه الطريقتين السنوسية والختمية – على وفاء للمذهب الأكبري، الأمر الذي عرَّضهم لهجمات وهابية شديدة[16].

نستخلص مما سبق نتيجة عملية، ألا وهي أنه لكي يستنبط الطالب في النصوص – سواء كانت شهيرة أو مغمورة – تأثيرًا قد يكون إما غير واعٍ وإما مغيَّب تغييبًا إراديًّا وإما حتى منكَرًا بقوة، فإن معرفةً بأفكار ابن عربي لا تكفي؛ إذ ينبغي أن تُضاف إليها ألفة تامة بمفرداته وبخصائص أسلوبه، وببعض العبارات الخاصة به التي يدل تكرارُها في كتاباته على مبلغ أهميتها. إن هذه الألفة بالاصطلاحات وبالأساليب البيانية وبالمباحث المتكررة لتصانيف الشيخ الأكبر هي، إلى ذلك، أمور لا غنى عنها للتمييز، في مؤلَّفات كاتب ما، بين ما يخص التراث المشترك للتصوف وما يشكل خصوصية إبداع ابن عربي: فأصالته القوية يجب ألا تُنسينا بأنه، في الواقع، وريثٌ وناقلٌ لموروث سابق غني أيضًا؛ إذ يمكن، بالتالي، تعليل ما نجد من تشابهات مع فكره بالعودة المباشرة إلى الينابيع التي استقى منها. لكن ورود بعض المصطلحات – "النَّفَس الرحماني"، "الفيض الأقدس"، "الفيض المقدس"، "ختم الأولياء"، "تجديد الخلق"، إلخ – في كتابٍ ما هو عادة مؤشر لا يخدع: حتى إنْ ظهر بعض هذه العبارات أحيانًا ظهورًا طارئًا في نصوص سابقة لابن عربي، فإن مؤلَّفاته هي التي منحتْها استعمالاً دقيقًا وضَمِنَتْ لها البقاء في لغة الصوفية. وأحيل هنا بهذا الصدد، على سبيل المثال، إلى ما سبق لي أن عرضت له في غير مكان بخصوص عقيدة الولاية، وبخاصة مفهوم " ختم الوَلاية" – الذي ظهر، كما هو معلوم، عند الحكيم الترمذي في القرن الثالث للهجرة، إنما الذي تبسَّط ابن عربي في شرحه في مذهبه بما جعله بعدئذٍ واحدًا من العناصر الأساسية لكتب طبقات الأولياء اللاحقة[17].

إن معرفة معمَّقة بأشكال الخطاب الأكبري، وليس بمضمونه وحسب، يسمح بالعثور على "تصاديات" كاشفة للغاية كان يمكن، لولا هذه المعرفة، أن تمرَّ من غير أن تُلحَظ. ففي قصيدة غير منشورة لشيخ جزائري معاصر كبير يَرِدُ البيت التالي:

وسبع المثاني حقيقة أمري

سرعان ما يذكِّر أيَّ قارئ لابن عربي ببيت وارد في مستهل الفتوحات [18] ونقع عليه متكرِّرًا في مناسبات عدة في مؤلَّفات أخرى:

أنا القرآن والسبع المثاني

مما لا ريب فيه البتة هاهنا أننا أمام إشارة مقصودة، ولا نستغرب، من ثَمَّ، حين نعلم أن كاتب هذه القصيدة وابنه توفرا طويلاً على كتب ابن عربي، لا بل وقع بين أيديهما، يوم كانا في رحلة إلى سورية، مخطوطٌ بخطِّ يده لإحدى رسائله التي كانت تُعتبَر مفقودة.

لقد سبق لنا الإصرار، من أجل التأكد من نفوذ الشيخ الأكبر خارج نطاق المثقفين وتعيين وسائط هذا النفوذ، على ضرورة التمعُّن فيما يمكن تسميته بـ"كتب الرفِّ الثاني"؛ ونعني بها، بصفة خاصة، الكتيبات الأساسية المكتوبة من أجل المريدين في ابتداء أمرهم، ولكنْ الأخبار الإقليمية أيضًا – والكثير منها غير منشور – وكذلك دواوين القصائد المستعمَلة في الطُّرُق، والموالد التي وُضِعَتْ على شرف أولياء محلِّيين، وإجازات [المبايعة بالطريقة]، وسلاسل المشايخ المغمورين ممَّن لم يتخطَّ صيتُهم حدود قريتهم أو قبيلتهم قط. فإن من شأن نشر هذه النصوص – التي هي ليست في الغالب إلا كراريس موجزة مطبوعة طباعة رديئة وتُباع بأسعار بخسة – أن يفسِّر أمورًا كثيرة.

إن تأثير ابن عربي محسوس جدًّا، على سبيل المثال، في كتاب واسع الانتشار من كتب التجانية، ألا وهو ميزاب الرحمة الربانية في التربية بالطريقة التجانية للشيخ عبيدة بن محمد الصغير الشنقيطي (توفي في العام 1284 هـ). وهو أبْيَن في وجيز لقواعد الرحمانية (التي كانت، بما لا ريب فيه، الطريقة الأكثر شعبية في الجزائر) طُبِعَ في تونس (العام 1351 هـ) بأمر من محمد بن بلقاسم، شيخ زاوية بوسعادة: ففيه تَرِدُ صراحة أقوالٌ لابن عربي ويُدافَع عنه ضدَّ خصومه. ولا تقل عن ذلك صراحة الوصية الكبرى لعبد السلام الأسمر الفيتوري (مؤسِّس فرع ليبي للطريقة العروسية، المتفرعة من الشاذلية)، المطبوعة في بيروت في العام 1958، حيث يصرِّح المؤلِّف (ص 60): "إخواني، وعليكم بمحبة محيي الدين بن العربي وتعظيمه." وهنالك حالة أخرى جديرة بالملاحظة، هي حالة كراس صغير، طُبِعَ للمرة الأولى في حلب في العام 1351 هـ ومازال متداولاً في سورية، عنوانه رسالة السلوك الخادمة لجميع الطرق؛ وهو عبارة عن عرض شديد الإيجاز لأشواط الطريقة (التي يعدِّد النص سبعة منها)، ويتضمن كذلك الأساليب الخاصة للـذكر واللطائف المقابلة لها على التوالي في بنية الإنسان. والقواعد الواردة في هذا النص، يشير واضعاها صراحة أنهما اشتقاها "من مؤلَّفات الشيخ الأكبر"؛ لا بل إن أحدهما – وهو المدعو محمد رجب الطائي – يقدِّم نفسه على أنه من ذرية ابن عربي. ولا بدَّ لنا هاهنا من الإشارة إلى أن جميع الكتابات من هذا النوع إنما تشدد أكثر ما تشدد على السلوك في الطريقة وعلى درجاتها، لا على المبادئ المذهبية. لذا فإن الكلمات المفاتيح التي ينبغي التفتيش عنها فيها هي، إذن، تلك التي بين مفردات ابن عربي تتعلق بـ"السلوك" الصوفي وبـ"الولاية"، وليس تلك التي يختص بها مذهبُه في الإلهيات. إن تجريدًا منهجيًّا لهذه الكراريس يبيِّن، أية كانت الحال، أن الحالات المعدودة المذكورة أعلاه ليس فيها من الاستثناء شيء على الإطلاق وأن بوسع أيِّ باحث أن يكتشف غيرها كثير من غير عناء.

لكن العديد من أنماط الكتابات الأخرى التي كان لها دور لا يستهان به – وإنْ على مقياس محدود – لا بدَّ من أخذه بالحسبان؛ وهذا يصح على الطبقات أو الأخبار المتنوعة التي ندين بها لأساتذة محليين. وهنا قد يكون من المثير للاهتمام، على سبيل المثال، استخراج الإحالات التي يسهل التعرف إليها بوضوح إلى مؤلَّفات ابن عربي من كتاب يعرفه جيدًا المؤرخون المغاربة: سلوة الأنفاس في من أُقبِرَ من العلماء والصلحاء بفاس لمؤلِّفه محمد بن جعفر بن إدريس الكتَّاني (1857-1927). وهو كتاب غني بالتفاصيل عن طبوغرافية فاس، سبق أن استعمله كلٌّ من رونيه باسِّيه وليفي بروفنسال، من بين آخرين. لكن ما يستلفت انتباهنا في سلوة الأنفاس هو أن كاتبه، لكي يحدِّد القامة الروحية للأولياء الذين يخصهم بالترجمة، يلجأ إلى مصطلحات أكبرية: فهذا الولي "موسوي المقام"، وذاك "عيسوي المقام"؛ ومفهوم "ختم الأولياء" الخاص للغاية بابن عربي وارد عدة مرات[19]. وما ينبغي النظر فيه، بهذه المناسبة، ليس ألفة الكتَّاني الصريحة بمقامات الأولياء بحسب ابن عربي – وهذا ليس بمستغرب جدًّا كما سنرى – بل دور الناقل الذي يمكن لمؤلَّف كمؤلَّفه أن يلعبه حيال قرَّاء ليسوا جميعًا راغبين حتمًا بالاطِّلاع على الفتوحات المكية أو قادرين على ذلك. فمن خلال تشرُّب غير واعٍ غالبًا، تصير مصطلحات كاتب عصيٍّ على الفهم ومشبوه نوعًا ما، بفضل كتب من هذا النوع – وهي كثيرة –، هي اللغة الصريحة التي يجري الكلام بها على الولاية والأولياء.

فلئن لم يكن سلوة الأنفاس مخصصًا لصفوة عقلية – ولم تقرأه هذه الصفوة وحسب – فإنه لا ينتمي قطعًا إلى "الأدب الشعبي". غير أن تلك هي حالة كتاب ينتسب إلى ذلك الجنس الشهير الذي يُقبِل عليه دومًا جهورٌ عريض، كتاب جُمِعَتْ فيه "خصائص" بعض سور القرآن، والذي ينتسب إلى مجال ما يمكن أن نسميه بـ"السحر اليومي" – ونقصد هنا كتاب نعت البدايات وتوصيف النهايات، الذي طُبِعَ عدة مرات (في فاس وفي القاهرة) والمنتشر جدًّا في المغرب كما في الشرق الأدنى. وهناك نصوص أخرى مشابهة تنطبق عليها الملاحظات عينها؛ لكننا لا نخص هذا النص بالتنويه إلا بسبب شخصية كاتبه ولأنه أُلِّف في الزمن المعاصر، شاهدًا بذلك على دوام انتشار المفاهيم الأكبرية. إن نعت البدايات من تصنيف ماء العينين الشهير، الوجيه المرموق الذي حمَّلتْه البروباغاندا الاستعمارية الفرنسية (ظلمًا) مسؤولية اغتيال كزافييه كوبولاني[20]. إن التصانيف بقلم هذا "المرابط" الموريتاني (ويجوز لنا أن نعتقد بأن الأمر يصح على تعليمه الشفوي) حافلة بالإحالات الصريحة إلى ابن عربي وإلى عدد من الكتَّاب من مدرسته، كعبد الرزاق القاشاني وعبد الوهاب الشعراني وإسماعيل حقي[21]. وهكذا فإن ما يبدو، للوهلة الأولى، مجرد مجموعة من الوصفات التقية، يتبيَّن، عند الفحص عنه، مشبعًا بإحكام بمنقول تأويلي يعود إلى الشيخ الأكبر. إن نعت البدايات، بهذه المثابة، لا يقدِّم إلا نسخة مفتقرة قطعًا من ذلك الميراث الغني، لكنها ليست غير وفية له.

وإلى هذا النمط من الأدب الشعبي تنتمي مؤلَّفات من نحو شمس المعارف الكبرى للبوني (الذي يذكر ابن عربي في سلاسل نقله) أو كنز الأسرار لمحمد النازلي (توفي في العام 1884)، الذي مرارًا ما يقبس من ابن عربي ويورد مقتطفًا طويلاً من رسالة الأنوار (وليس من التدبيرات الإلهية، كما جاء في عنوان الباب). إن كتاب كنز الأسرار، الواسع الانتشار في العالم العربي، هو كذلك، على سبيل المثال، في إندونيسيا، حيث أعيد طبعه مؤخرًا. لكن بعض تفاسير القرآن أسهمت إسهامًا أكثر مباشرةً في ذيوع صيت ابن عربي وفي سريان أفكاره. وهذه هي الحال مع روح البيان لإسماعيل حقي، حيث تحتشد المقبوسات عن ابن عربي. وهذا التفسير واسع الانتشار للغاية، إلى حدِّ أنه تمَّ رصد وجود مجموعة كاملة من أجزائه العشرة في إحدى مكتبات مكة قبل حوالى خمس عشرة سنة، حيث قصَّرتْ رقابة المراقبين الوهابيين عن القيام بدورها.

وبالوسع كذلك بلا تردد إطلاقُ وظيفة التوسُّط نفسها على أحد أوسع نصوص الطريقة التجانية انتشارًا، ألا وهو جواهر المعاني لعلي حرازم، الذي لا بدَّ لجميع أعضاء هذه الطريقة عمليًّا من قراءته، لكنه حَظِيَ بقرَّاء كثيرين جدًّا خارجها أيضًا. ونسختنا من الجواهر موشاة بإشارات إلى ما لا يُحصى من المقاطع التي لمسنا فيها ذكرًا لابن عربي[22] أو تلميحات إلى هذا المبحث أو ذاك في مؤلَّفاته. فإلى جانب المقبوسات العديدة – المعلنة أو غير المعلنة، لكنْ التي يمكن تمييزها دومًا – من نظرية ابن عربي في الولاية[23]، يدمج أحمد التجاني، في الأحاديث أو الرسائل التي دوَّنها علي حرازم بعناية فائقة، في مذهبه سمات عديدة من مذهب ابن عربي، مستعملاً نفس المصطلحات التي يستعملها: "النَّفَس الرحماني"[24]، مفهوم "الحضرات" الخمس[25]، "الحقيقة المحمدية"[26] وكلِّية الرحمة الإلهية التي تشمل حتى الهالكين[27]... كذلك من ابن عربي، وتحديدًا من الباب الثامن من الفتوحات، يستقي التجاني ما يسمِّه بـ"أرض السَّمْسَمَة"، في دلالة رمزية إلى "عالم الخيال"[28].

والمثير للانتباه أكثر هو أن جميع كتَّاب التجانية، على غرار علي حرازم، أو أحمد التجاني نفسه بالأصح، سوف ينهلون من النبع الأكبري، ويسهمون في بثِّ ما جمعوه. وهذه، حصرًا، حالة محمد الشنقيطي في كتابه بغية المستفيد[29]، مثلما هي حالة الحاج عمر في مؤلَّفه كتاب الرمه[30]، حيث توجد إشارات متكررة إلى الشيخ الأكبر، ولاسيما، مرة أخرى أيضًا، الاستعمال المنهجي لمذهبه في الولاية[31].

واسم الشعراني (المتوفى في العام 1565)، الذي كثيرًا ما يَرِدُ في المؤلَّفَيْن الأخيرين، يقودنا هاهنا إلى إيراد تفصيل هام. إن الكتابات المتنوعة – الحديثة نسبيًّا على العموم والتي مازالت إلى اليوم قيد التداول – التي ارتأينا الإشارة إليها كحوامل محتمَلة لتأثير ابن عربي هي عبارة عن ضرب من التبسيط نوعًا ما؛ لكنْ يمكن لها، بدورها، أن تكون محلَّ شبهة النقل عن تبسيطات سابقة: بعبارة أخرى، فإن ما تتضمَّنه من مقبوسات وشروح وملخصات عن ابن عربي لا يقيم دليلاً على أن كتَّابها قرؤوا شخصيًّا مؤلَّفات الشيخ الأكبر. فمحمد الشنقيطي يصرِّح بأن رسالة عنقاء مغرب وقعت بين يديه، لكنه يعترف بأنه لم يفهم منها شيئًا يُذكَر؛ فمن الجلي أن مقبوساته من ابن عربي إنما تمرُّ عبر وسيط أيسر فهمًا يقبس منه أيضًا، ألا وهو اليواقيت والجواهر للشعراني، وهو كتاب يقدِّم نفسه كشرح على الفتوحات المكية، لكنه في واقع الأمر وجيز ميسَّر له: فجميع ضروب المسائل، وفق تصنيف يتطابق بشكل عام مع بنود "عقيدة" تقليدية، تجد أجوبة عليها مستقاة من الفتوحات، مع إشارة إلى الباب الذي استُقِيَتْ منه[32]. وهناك عدة طبعات متتالية من اليواقيت، وقد ساهمت تطوراتُ المطبعة العربية قطعًا في انتشاره؛ لكن شعبيته سابقة لذلك بزمان طويل: فنحن نعرف – من الشعراني نفسه ومن المليجي، مترجم سيرته – بأن نسخًا من مؤلَّفاته، ما أن يتم إنجازها حتى كانت تطير إلى مختلف أرجاء العالم الإسلامي، من شمال أفريقيا حتى الهند،الأمر الذي يؤكده، على كلِّ حال، تناثُر المخطوطات المبوَّبة [33].

ويستند الحاج عمر بالتأكيد على الشعراني مرارًا، وإن يكن قطعًا على اطِّلاع مباشر على الفتوحات. لكن لا يمكن، بالمقابل، قول الشيء نفسه عن مؤلِّف آخر من أفريقيا السوداء، هو السنغالي إبراهيم نياس (توفي في العام 1975)، الذي أسَّس طريقته الخاصة، قبل أن يُنشئ الاتحاد الإسلامي الأفريقي، والذي أشار مِرفِن هِسكِت إلى ما يدين به إلى ابن عربي[34]. لقد كان بوسع إبراهيم نياس، المنشق عن التجانية، أن يجد حتمًا عند مشايخ هذه الطريقة العديد من العناصر الأكبرية الأصل. لكننا نميل إلى الاعتقاد بأن تصوراته النشورية تدين بالكثير من عناصرها إلى اليواقيت، وليس إلى توفُّرٍ دؤوب على كتب ابن عربي. ولدينا الشك نفسه أيضًا فيما يتعلق بـ"المهدي" السوداني، محمد بن عبد الله، الذي كان ينتمي، كما هو معلوم، إلى الطريقة السمَّانية التي أسَّسها أحد مريدي الشيخ مصطفى كمال الدين البكري، مريد النابلسي. وتشهد كتابات الشيخ البكري – ولا غرابة في الأمر في تلك الظروف – على تأثير كبير لابن عربي (يَسِمُ بقوة فروع الطريقة الخلوتية التي كان ينتسب إليها كافة: فعلي قره باش، الوارد في سلسلته، كان صاحب شرح على الفصوص)؛ مما لا يستبعد أن يكون "المهدي" قد حصَّل بهذه الطريقة شيئًا من الألفة بأفكار تعود إلى ابن عربي. لكن هل يكفي هذا لشرح تلك الفقرات من المنشورات[35] التي تقبس من الشيخ الأكبر؟ لقد أشارت نيكول غراندان بأن "المهديين" المعاصرين يذكرون رسالة عنقاء مغرب لابن عربي بوصفها المصدر الرئيسي لمذهب المهدي[36]؛ وربما كان الباب 366 من الفتوحات، الذي يبحث في "وزراء المهدي"، مصدرًا من تلك المصادر. لكن هل الأمر عبارة فعلاً عن استعمال مباشر لهذه المصادر، أم هو استخدام حصيف للمقتطفات المخصَّصة للاستخدام الشعبي التي يوردها الشعراني في اليواقيت أو في بعض كتبه الأخرى؟ إن الفرضية القائلة بأن "المهدي" قد اطَّلع على التفسير الكبير للقرآن لابن عربي مستبعَدة على كلِّ حال: بعد التحقق من الأمر، فإن الإشارات إلى هذا التفسير في المنشورات لا تحيل إلى أحد مؤلَّفات ابن عربي، بل بالأحرى إلى المقطع الواحد عينه من تفسير القاشاني (الذي يصر النُسَّاخ والناشرون منذ وقت طويل على نسبته إلى الشيخ الأكبر)[37].

ترجمة: أكرم أنطاكي

مراجعة: ديمتري أفييرينوس


هذه المقالة هي نص مقدمة كتاب شودكيفِتش لكتابه:

Michel Chodkiewicz, Un océan sans ravage : Ibn ‘Arabī, le Livre et la Loi, La Librairie du XXe siècle, Éditions du Seuil, Paris, 1992.

الهوامش

[1] ابن حجر الحيتمي، الفتاوى الحديثية، القاهرة، 1970، ص 296.

[2] Cambridge, 1939; 2nd ed., Lahore, 1964.

[3] فصوص الحكم، المقدمة، ص 21.

[4] Clément Huart, Littérature arabe, Paris, 1932, p. 275.

[5] A.J. Arberry, Sufism: An Account of the Mystics of Islam, London, 1950.

[6] Rom Landau, The Philosophy of Ibn ‘Arabī, London, 1959, pp. 24-25.

[7] J. Berque, Al-Yousi, Paris-La Haye, 1958.

حول هذه الشخصية، راجع أيضًا:

C. Geertz, Islam Observed, Chicago, 1968 (index s.v. Liyusi); P. Rabinow, Symbolic Domination, Chicago, 1975; E. Gellner, Muslim Societies, Cambridge, 1981, chap. 10.

[8] Voir J. Berque, op. cit., pp. 40, 121-126.

[9] Ibid., pp. 123 et 126.

[10] البحر المسجور، مستغانم، ب.ت.، الصفحة 69.

[11] الفتوحات المكية، القاهرة، 1329 هـ، مج 1، 115؛ بتحقيق عثمان يحيى، مج 2، ص 208-209.

[12] القاري البغدادي، الدر الثمين في مناقب محيي الدين، بيروت، 1959، ص 27 و28؛ المقاري، نفح الطيب، بيروت، 1968، مج 2،ص 178.

[13] أبو العباس محمد زرُّوق، قواعد التصوف، القاهرة، 1328/1968 (حول ابن عربي، انظر: ص 35، 41، 52، 129). يمكن الرجوع أيضًا إلى علي ف. خشيم،زرُّوق الصوفي، طرابلس (ليبيا)، 1976، ص 14و148.

[14] عبد الوهاب الشعراني، الأنوار القدسية في معرفة القواعد الصوفية، طب 2، بيروت 1985، مج 2، ص 28.

[15] فخر الدين علي بن الحسين واعظ الكاشفي، رشحات عين الحياة، في مجلدين، طهران، 2356، مج 1، ص 249-250. الإشارات إلى ابن عربي في كلام السادة النقشبندية التي يوردها المؤلِّف كثيرة جدًّا؛ انظر، من بين أمور أخرى (الفهرس)، إلى أقوال برهان الدين أبو نصر بارسا ومحمد شمس الدين الكوسوي. كذلك تورد سيرة شيخ نقشبندي معاصر (محمد أمين الكردي، المتوفى في العام 1914) سلوكًا مشابهًا لسوك عبيد الله أحرار: "كان يقرأ عليَّ فصولاً من الفتوحات؛ لكن ما أن يدخل علينا أحد حتى يطوي الكتاب ويسكت." (محمد أمين الكردي، تنوير القلوب، القاهرة، ب.ت.، ص 42)

[16] Y. Friedmann, Shaykh Ahmad Sirhindī, Montréal-London, 1971.

تجدر الإشارة، بهذا الصدد، إلى الرأي الشائع بأن النقشبندية – وهي طريقة سُنية – مناوئة عمومًا لابن عربي، وأن ما كان يصح على الشيوخ القدامى يصح كذلك على شيوخها الأحدث. فالشيخ خالد، المتوفى في العام 1827، يوصف في مصنَّف ظهر في نهاية القرن الماضي – السعادة الأبدية لعبد المجيد الخاني، دمشق، 1313 هـ، ص 2 – بأنه "أكبري العرفان". كذلك ينقل كتاب آخر من الفترة نفسها – الحديقة الندية لسليمان الحنفي البغدادي، على هامش كتاب أصفى الموارد، القاهرة، 1313 هـ، ص 60-61 – أنه عند موت خالد، فإن أحد مريديه حصلت له رؤيا رأى فيها ابن عربي خارجًا من قبره ليقبِّله. كذلك يؤكد مخطوط فهرست مكتبة الشيخ خالد، الذي حصلنا على نسخة مصورة عنه، أنه كانت لديه مؤلَّفات ابن عربي ومريديه الرئيسيين. أما فيما يتعلق بموقف أوائل مشايخ النقشبندية من ابن عربي، فيوجد العديد من التفاصيل الإضافية في مداخلة الأب حامد الجار في ندوة انعقدت حول ابن عربي في نوتو (صقلية، نيسان 1989) قيد النشر:

Views of Ibn ‘Arabī in Early Naqshbandi Tradition.

بالنسبة لأحمد بن إدريس، راجع:

R.S. O’Fahey, Enigmatic Saint, Ahmad b. Idrīs and the Idrīsī Tradition, London, 1990, pp. 90-106.

[17] M. Chodkiewicz, Le Sceau des saints, prophétie et sainteté dans la doctrine d’Ibn ‘Arabī, Paris, 1986.

بخصوص مصطلحات ابن عربي، نحيل القارئ إلى كتاب سعاد الحكيم النفيس المعجم الصوفي، بيروت، 1981، الذي يُعتبَر أداة لا غنى للباحث عنها. وهناك أمثلة عديدة تشهد أن أنماط الولاية في المذهب الأكبري يستعملها العديد من الكُتَّاب لتأويل رجعي لحال صوفيين متقدِّمين على ابن عربي. وقد ذكرتُ (ختم الأولياء، ص 104) حالة عين القضاة الحمداني (المتوفى في العام 1131). وبالإمكان كذلك ذكر حالة أحمد الرفاعي (المتوفى في العام 1182)، الذي يرجع حفيدُه، من أجل أن يعيِّن النمط الروحي لجدِّه ولعدد من معاصريه – بدون أن يصرِّح بذلك – إلى معايير ابن عربي وعباراته، كما وإلى مفهوم "ختم الولاية". راجع:

M. Tahrali, Ahmad al-Rifā‘ī, sa vie, son œuvre et sa tarīqa, thèse de 3e cycle, Paris III, 1973, pp. 134-135.

والمقاطع المذكورة واردة في كتاب المعارف المحمدية في الوظائف الأحمدية لعز الدين أحمد الصياد، القاهرة، 1888، ص 59-60.

[18] الفتوحات المكية، مج 1، ص 9؛ وبتحقيق عثمان يحيى، مج 1، ص 70.

[19] الكتاني، سلوة الأنفاس...، فاس، طبعة بالحجر، 1316 هـ؛ راجع، مثلاً، الباب الثاني، ص 241، 288، 332-333، 340.

[20] حول ماء العينين، راجع:

Encyclopédie de l’Islam, s.v., and B.G. Martin, Muslim Brotherhoods in 19th Century Africa, Cambridge, 1976, chap. 5.

[21] نعت البدايات...، القاهرة ب.ت.، حيث توجد أمثلة على إحالات إلى ابن عربي، ص 91-92؛ إلى القاشاني، ص 67، 120؛ إلى إسماعيل حقي، ص 69-70، 74، 77، 80؛ وإلى الشعراني، ص 98، 103، 167.

[22] جواهر المعاني، القاهرة، 1384 هـ. نجد ذكرًا مباشرًا لابن عربي (إما على هذا الشكل وإما على شكل الحاتمي) مرات عديدة (انظر مثلاً: 1، ص 66، 75، 126، 147، 151، 183، 245–247؛ 2،ص7، 70، 84، 116، 117، 150). لكن العديد من الاستعارات البيِّنة لا يُشار إليها على أنها كذلك، كما هي حالة نكتة (نكتة الجوهري) الواردة في 1، ص 241، والمنقولة مباشرة عن الفتوحات (2، ص 82).

[23] للاطلاع على مقطع نوعي يتعلق بمذهب الولاية (مع ذكر "الختم") راجع: جواهر، 2، ص 21، 84–85.

[24] جواهر، 2، ص 37.

[25] نفس المرجع، 2، ص 39.

[26] نفس المرجع، 1، ص 147؛ 2، ص 143.

[27] نفس المرجع، 1، ص 183-184؛ 2، ص 30.

[28] نفس المرجع، 2، ص 25.

[29] بغية المستفيد، القاهرة، 1380/1959. راجع، على سبيل المثال، الكلام على مراتب الأولياء، ص 187–194. هذا ويُستشهَد بابن عربي عدة مرات في الكتاب.

[30] مطبوع على هامش الجواهر.

[31] انظر: 2، ص 4، 15، 16.

[32] الشعراني، اليواقيت والجواهر، القاهرة، 1369 هـ. وعلى هامش هذا الكتاب نجد للمؤلِّف نفسه ملخَّصًا آخر للـفتوحات: الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر، الذي هو، بدوره، ملخَّص لكتاب ثالث للشعراني: لواقح الأنوار القدسية. حول الشعراني وحياته نحيل القارئ إلى:

Michael Winter, Society and Religion in Early Ottoman Egypt, New Brunswick, 1982.

[33] Cf. M. Winter, op. cit., p. 2 and note 2, p. 9.

[34] Cf. Mervyn Hiskett, “The Community of Grace and Its Opponents,” African Languages Studies, London, 1980, XVII, pp. 99-140.

[35] منشورات الإمام المهدي، طبعة بالحجر (4 مجلدات)، الخرطوم، 1963، 1، ص 5-6 ، 13؛ 2، ص 49، 62، إلخ.

[36] رسالة مؤرخة في 20 تشرين الثاني 1988. وتضيف السيدة غراندان أنه – لهذا السبب – يُعتبَر عنقاء مغرب واسع الانتشار اليوم في أوساط النخبة المهدية المتعلِّمة في السودان.

[37] المقطع الذي تشير إليه المنشورات موجود (تفسيرًا للآية 182 من سورة الأعراف) في مج 2، ص 460، من تأويلات القاشاني (لكن المنشور باسم ابن عربي)، بيروت، 1968. فيما يخص التفسير الأصلي للشيخ الأكبر (الجمع والتفصيل في أسرار معاني التنزيل، فهرست أعمال ابن عربي، 172)، الذي كان يضم 64 مجلدًا ويبلغ حتى سورة مريم، يبدو أنه اختفى اختفاءً غامضًا بعد أن عرف طويلاً تداولاً على نطاق ضيق نوعًا ما. وفي عصر "المهدي" كان أصلاً شديد الاستغلاق، ووحده عدد محدود من الأكبريين الاستثنائيين، على ما يبدو، كان ما يزال بمستطاعه الرجوع إليه. إن استعمال – أو بالأحرى الشطط في استعمال – مرجعية ابن عربي كان مستشريًا في ذلك الوقت نفسه في حركة مخالفة للإجماع هي حركة غلام أحمد، مؤسِّس النحلة الأحمدية، الذي استلهم صراحة معطيات أكبرية حول "النبوة المطلقة" و"الولاية العيسوية". راجع بهذا الخصوص كتاب:

3.Y. Friedmann, Prophecy Continuous, Berkeley, 1989, Part